العناصر القانونيّة للدّولة / السّيادة




الفصل الأوّل: الدّولة:
المبحث الأوّل: العناصر الماديّة لقيام الدّولة:
المبحث الثّاني: العناصر القانونيّة لقيام الدّولة:
المطلب الأوّل: الشخصيّة القانونيّة:


المطلب الثّاني:السّيادة:
لطالما إعتبر الفلاسفة القدامى و على رأسهم "أفلاطون" أنّ السّيادة لصيقة بشخص الحاكم، و قد نشأت عديد النظريّات التي ترى أنّ السّيادة ما هي إلّا وصف للحاكم أو خاصّية له، حيث لم يكن مفهوم الدّولة الحديثة قد ظهر بعد، فمفهوم الدّولة القوميّة السيّدة لم يظهر إلّا بعد كتابات "ماكيافيلي" و "سوارز"    و "دي فيتوريا"، و بالتّزامن مع إبرام معاهدات وستفاليا، و قد تبلور مفهوم السّيادة فعليّا من خلال أفكار  "جون بودان" " Jean Bodin" في مؤلّفه  ستّة كتب عن الجمهوريّة" الصّادر عام 1576، فماهي مظاهر هذه السّيادة؟
الفرع الأوّل: مظاهر السّيادة:
يعود الفضل الحقيقي في تعريف و تفسير السّيادة إلى "جون بودان" ، حيث إعتبر أنّ الميزة الأساسيّة للدّولة تمتّعها بالسّلطة السيّدة و يعرّفها بأنّها "سلطة الأمر و الإكراه من دون أن تكون مأمورة أو مكروهة من أيّ كان على الأرض"، فهي السّلطة العليا التي تسود و تتركّز فيها كلّ السّلطات الأخرى، و هي على وجهين: وجه داخلي، أي السّيادة داخل الدّولة، و وجه خارجي، أي سيادة الدّولة دوليّا[1]، و يُفهم من كلّ هذا أنّ السّيادة –كعنصر قانوني لقيام الدّولة- ما هي إلّا خاصيّة من خاصيّات السّلطة السياسيّة، فالدّولة بإعتبارها شخصا معنويّا لا يمكن أن تمارس إختصاصاتها إلّا عبر سلطة سياسيّة سيّدة، و لا يعني هذا الكلام  -بأيّ حال من الأحوال- الخلط بين الدّولة و السّلطة السّياسيّة أو تبريرا لفكرة السّلطة الشموليّة.
رغم أنّ التصوّر الذي وضعه "جون بودان" للسيّادة كان خدمة لملك فرنسا آنذاك في سبيل تقوية نفوذه، فقد نجح في بناء طرح عقلاني لازم الفكر السّياسي – و القانوني على حدّ سواء- لعقود طويلة، فالتصوّر الحديث للدّولة يقوم على فكرة عدم خضوعها، أو بعبارة أوضح، يستند تعريف الدّولة على بيان مظاهر السّيادة فيها، و التي تتجلّى إمّا داخليّا (على إقليمها)، أو خارجيّا (في إطار علاقاتها الدوليّة)، و قد تطوّر هذا المفهوم فأصبحنا نتحدّث عن السّيادة الوطنيّة أو السّيادة الشعبيّة بدل السّيادة المطلقة للحاكم التي أرساها "بودان".
على المستوى الدّاخلي، تمارس الدّولة سيادتها عبر فرض سلطانها على كامل إقليمها و  على كلّ ما يحتويه، و أيضا إحتكارها لأدوات القمع و الإكراه في مواجهة شعبها، دون الخضوع في ذلك لأيّة سلطة خارجيّة.
أمّا على المستوى الدّولي، فإنّ سيادة الدّولة تتجلّى في إستقلال قرارها و سياستها الخارجيّة دون تبعيّة لأيّة دولة أخرى أو أيّ كيان آخر، عدا خضوعها لقواعد القانون الدّولي العام، و جميع الدّول متساوون في هذه السّيادة، حيث تنصّ المادّة الثّانية من ميثاق الأمم المتّحدة على أنّ الهيئة "تقوم على مبدأ المساواة في السّيادة بين جميع أعضائها".
إلّا أنّ هذه المساواة تبقى في حدود النظريّة، بإعتبار أنّ العلاقات الدوليّة تعرفا تفاوتا واضحا بين الدّول من النّاحية الواقعيّة، إذ نجد دولا كبرى و أخرى صغرى، و دولا غنيّة و أخرى فقيرة... ممّا يخلق تفاوتا بينها من حيث الوزن السّياسي في العلاقات الدوليّة[2].
إعتماد معيار عدم التبعيّة لتعريف السّيادة جعل مفهوم السّيادة يرتبط بالإستقلال، رغم إختلاف كلا المفهومين، و هذه التّفرقة أكّدتها مواقف محكمة العدل الدوليّة، ففي قضيّة المواطنين الأمريكان بالمغرب، أكّدت المحكمة على أنّ المغرب "دولة ذات سيادة" رغم وجودها تحت نظام الحماية، حيث رأت المحكمة أنّه "تحت إتّفاقيّة الحماية،  المغرب تبقى دولة ذات سيادة، غير أنّها وضعت بعض التّرتيبات -ذات طابع تعاقدي- تقوم فرنسا بموجبها بممارسة بعض السّلطات السّياديّة نيابة عن المغرب و بإسمه،      و بصفة خاصّة كلّ ما يتعلّق بالعلاقات الدوليّة للمغرب".[3]
من خلال هذا الموقف، يتّضح أنّ محكمة العدل الدوليّة قد ميّزت بين الدّول كاملة السّيادة، و الدّول التي قد تنقص سيادتها لعارض ما، و هو ما سيكون موضوع العنوان الموالي.
الفرع الثّاني: أشكال الدّول من حيث السّيادة:
 الدّولة كاملة السّيادة هي الدّولة التي لا تخضع في تسيبر شؤونها الداخليّة و الخارجيّة لسيادة أيّة دولة أخرى أو أيّ كيان آخر، أي أنّها دولة مستقلّة تمارس كافّة إختصاصاتها عبر سلطة فعّالة، و لا تخضع إلّا لأحكام القانون الدّولي العام.
أمّا الدّولة ناقصة السّيادة فهي الدّولة التي تخضع في ممارسة إختصاصاتها لسلطة دولة أخرى أو هيئة أخرى،       و قد عرفت الممارسة الدوليّة عديد الأمثلة لدول ناقصة السّيادة، و مردّ هذا التعدّد إختلاف الأسباب أو العوارض التي قد تطرأ على سيادة تلك الدّول، و فيما يلي تصنيف لتلك الدّول:

1.      الدّول التّابعة:
تُعتبر التبعيّة علاقة قانونيّة تنشأ بين دولتين، بموجب معاهدة ثنائيّة تتنازل فيها الدّولة التّابعة ببعض أو كلّ الصلاحيّات لصالح دولة أخرى، خاصّة فيما يتعلّق بالتّمثيل الخارجي، و لا يوجد في العصر الحالي مثال لهذا النّوع من التبعيّة، إلّا أنّه توجد أمثلة عبر التّاريخ لهذا النّظام، لعلّ أبرزها تبعيّة مصر و رومانيا و صربيا و بلغاريا للإمبراطوريّة العثمانيّة.

2.      الدّول المحميّة:
يمكن تعريف الحماية بأنّها هي علاقة قانونيّة تنشأ بين دولتين بموجب معاهدة دوليّة، تتعهّد فيها الدّولة الحامية بالدّفاع عن الدّولة المحميّة و حمايتها و الإشراف على شؤونها الخارجيّة و تسيير بعض شؤونها الداخليّة، و هي على وجهين:
-          حماية إختياريّة: تقوم على معاهدة ثنائيّة بين دولتين، تتولّى فيها الدّولة الأقوى حماية الدّولة الأضعف، و يتّسم هذا النّوع من الحماية بالرّضائيّة، و من أمثلة ذلك حماية دولة إيطاليا لجمهوريّة سان مارينو و حماية دولة سويسرا لإمارة ليشتنشتاين.
-          حماية إجباريّة: تقوم على أساس إستعماري، أي أنّ الدّولة الحامية تفرض حمايتها على دولة أخرى قهرا دون رضاها، و قد تلجأ في كثر من الأحيان إلى تدعيم موقفها و إضفاء الشرعيّة عليه بإبرام معاهدة مع الدّولة المحميّة، و أبرز مثال على ذلك الحماية التي فرضتها دولة فرنسا على تونس و المغرب، و حماية بريطانيا لمصر.

3.      الدّول الموضوعة تحت الإنتداب:
ظهر نظام الإنتداب بعد الحرب العالميّة الأولى، ليطبّق من قبل الدّول المنتصرة على الدّول المنهزمة، و تحديدا الولايات التي إنفصلت عن الإمبراطوريّة العثمانيّة، و على المستعمرات الألمانيّة، و ذلك تحت إشراف عُصبة الأمم [4].
قسّم عهد عُصبة الأمم الإنتداب إلى ثلاثة (3) أصناف:
-          الإنتداب من صنف "أ": طُبّق على الأقاليم التي بلغت درجة من التطوّر أكثر من الأصناف الأخرى، لكنّها حاجة إلى من يرشدها و يشرف على إدارة شؤونها إلى حين حصولها على الإستقلال.
شمل هذا النّوع من الإنتداب سوريا و لبنان و العراق و شرق الأردن و فلسطين، و يمكن إعتباره بداية المأساة الحقيقيّة للقضيّة الفلسطينيّة.
-          الإنتداب من صنف "ب":  و هو إنتداب مباشر، و قد طُبّق على الأقاليم التي بلغت درجة من التطوّر أقلّ من الأقاليم الأولى، و شمل أقاليم وسط قارّة إفريقيا مثل الكاميرون و رواندا.
-          الإنتداب من صنف "ج": شمل أقاليم جنوب غرب إفريقيا و بعض جزر المحيط الهادي، حيث تقرّر إخضاعها إلى قوانين الدّولة القائمة بالإنتداب بإعتبارها جزءا من أراضيها[5].

4.      الدّول المشمولة بالوصاية:
بعد فشل عُصبة الأمم في بلوغ الأهداف المنوطة بعهدتها، تمّ إنشاء هيئة الأمم المتّحدة و التي قامت بتعويض نظام الإنتداب بنظام الوصاية، في هذا المجال، نصّت المادّة 75 من الميثاق على أن"تنشئ الأمم المتّحدة تحت إشرافها نظاما دوليّا للوصاية، و ذلك لإدارة الأقاليم التي قد تخضع لهذا النّظام بمقتضى إتّفاقات فرديّة لاحقة و للإشراف عليها، و يُطلق على هذه الأقاليم فيما يلي من الأحكام إسم الأقاليم المشمولة بالوصاية".
بموجب أحكام المادّة 77 من الميثاق، يُطبّق نظام الوصاية على الأقاليم الدّاخلة في الفئات الآتية:
-          الأقاليم التي كانت خاضعة للإنتداب.
-           الأقاليم التي اقتُطعت من الدّول المنهزمة في الحرب العالميّة الثّانية.
-          الأقاليم التي تضعها في الوصاية بمحض اختيارها دول مسؤولة عن إدارتها.

تجدر الإشارة إلى أنّ الوصاية لا تعطي الدّولة القائمة به حقّ السّيادة على الإقليم، بل فقط حقّ الإدارة، لتحقيق الأهداف المرسومة، و قد يتّسع مدى هذا الحقّ أو يضيق وفقا لظروف كلّ إقليم، دون أن يؤثّر ذلك على بقاء الإقليم محتفظا بكيانه القانوني الخاصّ، و في إحتفاظ سكّانه بجنسيّتهم.[6]
من أمثلة الأقاليم التي خضعت للوصاية، يمكن ذكر إقليم الكاميرون الذي كان خاضعا للإدارة الفرنسيّة،             و إستقلّ تحت إسم دولة الكاميرون عام 1960، و إقليم  رواندا- أروندي الذي كان خاضعا للإدارة البلجيكيّة قبل أن يُصبح دولتين مستقلّتين (رواندا و بوروندي) عام 1962، مع العلم أنّه لا توجد اليوم أقاليم مشمولة بالوصاية، حيث علّق مجلس الوصاية التّابع للأمم المتّحدة أعماله منذ عام 1994.

في الأخير، يمكن القول أنّه نظرا لتشعّب العلاقات الدوليّة و بروز كيانات جديدة على السّاحة الدوليّة، فإنّ مفهوم السّيادة قد تقهقر لصالح العولمة، فضلا عن ظهور مفاهيم جديدة كالأمن القومي الجماعي  و التدخّل الإنساني    و محارية الإرهاب، و هي مفاهيم قلّصت من سيادة الدّولة لصالح نُظم و سياسات جديدة، دون أن ننسى بروز المنظّمات الدوليّة ككيانات جديدة منافسة للدّولة على السّاحة الدوليّة، و هو ما سيقع تفصيله في الفصل  الثّاني من الدّرس.



[1]  محمود حيدر: الدّولة: فلسفتها و تاريخها من الإغريق إلى ما بعد الحداثة، المركز الإسلامي للدّراسات الإستراتيجيّة، الطّبعة الأولى، 2018، ص 83.
[2]  عبد المجيد العبدلّي: مرجع سابق، ص 149.
[3]  محمّد بو سلطان: مرجع سابق، ص 108.
[4]  شاهر إسماعيل الشّاهر: دراسات في الدّولة و السّلطة و المواطنة، المركز العربي الدّيمقراطي، ألمانيا، 2017، ص 156.
[5]  نفس المرجع، ص 157.
[6]  نفس المرجع، ص 158.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.