العناصر الماديّة للدّولة / السّلطة السّياسيّة





الفصل الأوّل: الدّولة:
المبحث الأوّل: العناصر الماديّة لقيام الدّولة:
المطلب الأوّل: الشّعب:
المطلب الثّاني: الإقليم:


المطلب الثّالث: السّلطة السّياسيّة:
لا يكفي لتكوين الدّولة وجود العنصرين السّابقين (الشّعب و الإقليم) فقط، بل يجب أن تتواجد سلطة سياسيّة تمارس سيادتها على الإقليم و تُخضع الأفراد المتواجدين عليه لقوانينها و أحكامها، و تُعتبر هذه السّلطة أحد أرقى التّعبيرات عن مفهوم الدّولة الحديثة، و التي تتميّز عن باقي الكيانات الإجتماعيّة البدائيّة كالقبيلة مثلا.

الفرع الأوّل: مفهوم السّلطة السياسيّة:
إختلفت المصطلحات التي تصف السّلطة السّياسيّة، فمنهم من يُسمّيها الحكومة، و هو تعبير لا يعكس التصوّر الصّحيح للسّلطة السّياسية و يختزلها في أحد مكوّناتها (السّلطة التّنفيذيّة)، و منهم من يخلط بينها و بين السّيادة، و الحال أنّ السّيادة تُضاهي السّلطة السّياسيّة كأحد العناصر اللّازمة لقيام الدّولة، فضلا عن أنّ السّلطة السّياسيّة في مفهومها الدّقيق هي الهيئة التي تمارس جملة من الصّلاحيّات الحصريّة داخليّا، من تشريع و قضاء سلطة تنفيذيّة، و ذلك في كنف الإستقلاليّة، و عادة ما يضبط دستور الدّولة هذه الصلاحيّات.
أمّا خارجيّا، فللسّلطة السّياسيّة أن تمثّل الدّولة عبر أجهزتها، و لها أن تقيم علاقات مع أجهزة مماثلة،   في كنف الإستقلاليّة أيضا، و تدخل هذه الصّلاحيّات تحت طائلة المسائل التي ينظّمها القانون الدّولي العام، و  لعلّ هذا البعد الدّولي للسّلطة السّياسة هو ما يميّز الدّولة عن باقي الكيانات، فعلى سبيل المثال، لا تُعتبر الولايات المكوّنة للدّولة الأمريكيّة دولا بمفهوم القانون الدّولي العام، لأنّ الدّول تفقد شخصيّتها القانونيّة الدوليّة في الإتّحادات الحقيقيّة خاصّة، و تحلّ محلّها الشخصيّة القانونيّة الدوليّة للدّولة الإتّحاديّة.
بالنّسبة لفلسطين، فقد نجح الكيان الصّهيوني في تفتيت السّيادة و تجزئتها إلى قسمين: قسم داخلي تمارسه صلاحيّاته السّلطة الفلسطينيّة القائمة، و قسم خارجي -خاصّة فيما يتعلّق بالتّمثيل الدّبلوماسي- تتولّاه منظّمة التّحرير، و هو ما يتنافى مع وجوب وحدة السّلطة السّياسيّة، و بالتّالي لا إعتبار لتلك السّلطة في القانون الدّولي العام.

الفرع الثّاني: شروط السّلطة السياسيّة:
تُعتبر "الفاعليّة" المعيار المفضّل و الأوحد لقياس قدرة السّلطة السّياسيّة على ممارسة إختصاصاتها، بما في ذلك حفظ النّظام و الأمن على المستوى الدّاخلي، و تنفيذ الإلتزامات و التعهّدات الدوليّة[1]، و هو أحد الشّروط الواردة في المادّة الرّابعة (4) من ميثاق الأمم المتّحدة التي تنصّ على أنّ ‏"العضويّة في الأمم المتّحدة مُباحة لجميع الدّول الأخرى المُحبّة للسّلام، و التي تأخذ نفسها بالإلتزامات التي يتضمنّها هذا الميثاق، و التي ترى الهيئة أنّها قادرة على تنفيذ هذه الاإتزامات و راغبة فيه" .
بعبارة أخرى، لا يُشترط في السّلطة السّياسيّة أن تتّخذ شكلا محدّدا، حيث لا يشترط القانون الدّولي في النّظام السّياسي أن يكون من نوع معيّن، كأن يكون ملكيّا أو جمهوريّا، ديمقراطيّا أو دكتاتوريّا، برلمانيّا أو رئاسيّا، لأنّ مثل هذه المسائل تدخل في صميم الإختصاص الدّاخلي للدّولة التي تملك الحريّة المطلقة في إختيار دستور الحكم الذي يروق لها[2].
كما لا يُشترط في السّلطة السياسيّة أن تكون شرعيّة و منتخبة، بل يكفي أن تكون فاعلة، أي لها القدرة على بسط سيادتها على كامل الإقليم و  فرض قوانينها على  سكّانه بصورة حقيقيّة، و لا يُشترط في ذلك رضاء المحكومين.
في بعض الحالات، قد لا يكون  وجود سلطة حاكمة فاعلة كافيا، و كمثال على ذلك رفض المجتمع الدّولي التّعامل مع  روديسيا (زمبابوي حاليّا) عندما سيطر "إيان سميث" على الحكم،  كما أنّ دولا أخرى رغم إنعدام السّلطة الحاكمة، تمّ التّعامل معها على أساس النديّة مثل دول رواندا و بورندي و الكونغو             و أنغولا، التي حصلت على العضويّة في الأمم المتّحدة بدعم من الدّول الإفريقيّة و دول العالم الثّالث، رغم الفوضى التي سادت فيها إبّان إستقلالها و إنعدام سلطة فاعلة تحكم زمام الأمور، و أسباب ذلك تفعيل مبدأ تقرير الشّعوب لمصيرها و عدم إعتراف المجتمع الدّولي بسلطة الإحتلال[3].
في هذا السّياق ، يلعب الإعتراف، كأحد مصادر القانون الدّولي العام، دورا مهمّا في العلاقات الدوليّة، و في نشأة الدّول، و هو ما سيتمّ التّفصيل فيه في عنوان لاحق.



[1]  محمّد بو سلطان: مرجع سابق، ص 105.
[2]  عصام العطيّة: مرجع سابق، ص 281.
[3]  محمّد بو سلطان: مرجع سابق، ص 105.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.