العناصر المادية للدّولة / الإقليم 3




الفصل الأوّل: الدّولة:
المبحث الأوّل: العناصر الماديّة لقيام الدّولة:
المطلب الثّاني: الإقليم:
الفقرة الأولى: اليابسة:
الفقرة الثّانية: المجال الجوّي:
الفقرة الثّالثة: المجال البحري:
أوّلا: المناطق الخاضعة لسيادة الدّولة:


ثانيا: المناطق التّي تمارس فيها الدّولة بعض الحقوق السّياديّة:
1.      المنطقة المتاخمة:
                             ترجع البدايات الأولى لظهور فكرة المنطقة المتاخمة إلى نهاية القرن الثّامن عشر (18) حيث تبنّت بعض الدّول سياسة حمائيّة لحدودها عبر التّوسيع في سلطاتها خارج بحرها الإقليمي، لغاية مراقبة كلّ الممارسات التي قد تخرق أمنها و سلامتها، و كانت البداية مع قانون الذّئاب الذي أصدرته أنجلترا   ثمّ تبعتها عديد الدّول.
قانونيّا، تمّ التّنصيص على المنطقة المتاخمة في المادّة (24) من إتّفاقيّة جينيف لعام 1958 التي تقضي بأنّه لا يجوز للدّولة الساحليّة أن تمدّ عرض المنطقة المتاخمة إلى أكثر من 12 ميلا بحريّا مقيسة من خطّ الأساس.
بإستقراء نصّ هذه المادّة يتّضح أنّها صيغت في زمن كان فيه عرض البحر  الإقليمي  لأغلب الدّول لا يتجاوز 3 أميال بحريّة –كما ذكرنا ذلك سابقا- و بالتّالي فإنّ عرض المنطقة يكون 9 أميال من نهاية البحر الإقليمي.
بالتّالي، تطرح المادّة إشكالا في الحالات التي يكون فيها عرض البحر الإقليمي 12 ميلا بحريّا حيث تنازع المنطقة المتاخمة نفس المساحة التي يحتلّها البحر الإقليمي، أي بعبارة أوضح، التّعريف الذي تقدّمه المادّة المذكورة للمنطقة المتاخمة هو نفسه الذي يتمّ إعتماده حاليّا للبحر الإقليمي.
هذا الإشكال تمّ تجاوزه في إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار لعام 1982 التي تنصّ في  الفقرة الثّانية من المادّة (33) على أنّه "لا يجوز أن تمتدّ المنطقة المتاخمة إلى أبعد من 24 ميلا بحريّا من خطوط الأساس التي يُقاس منها عرض البحر الإقليمي"، و بالتّالي، فإنّ العرض الحقيقي للمنطقة المتاخمة هو 12 ميلا بحريّا من نهاية البحر الإقليمي.
كما ذكرنا سابقا، فإنّ الغاية من إنشاء المنطقة المتاخمة هي غاية أمنيّة بحتة، لذلك لم تمنح إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار لعام 1982 صلاحيّات سياديّة حقيقيّة للدّولة الساحليّة على تلك المنطقة، بل حصرتها في إختصاصات محدّدة وردت في الفقرة الأولى من  المادّة (33) و هي:
-          منع خرق قوانينها و أنظمتها الجمركيّة أو الضّريبيّة أو المتعلّقة بالهجرة أو الصحّة داخل إقليمها أو بحرها الإقليمي.
-          المعاقبة على أيّ خرق للقوانين و الأنظمة المذكورة أعلاه حصل داخل إقليمها أو برحها الإقليمي.
التّساؤل الذي يمكن أن يُطرح في الأخير: ما الجدوى من الإبقاء على المنطقة المتاخمة  طالما تمّ التّمديد في عرض البحر الإقليمي إلى 12 ميلا بحريّا، و بعد إقرار نظام المنطقة الإقتصاديّة الخالصة؟
إجابة عن هذا التّساؤل،  أقرّ المـؤتمر الثّالـث لقـانون البحار فكـرة المنطقـة المتاخمـة معتـبرا إيّاهـا نظامـا قانونيـّا قـائما بذاتـه و مـستقلّا عـن فكرة المنطقة الإقتصاديّة الخالـصة،  ذلـك لأنّ  دور المنطقـة المتاخمة يعتبر وقائىّا أو رقابىّا حيث تملك الدّولة الـساحليّة فى تلـك المنطقـة سـلطة ممارسـة الرّقابة الوقائيّة التى تكفل صيانة مصالحها الأمنيّة و الجمركيّة و الصحيّة ...فى حـين أنّ  مغـزى فكـرة المنطقـة الإقتـصاديّة هـو إعطـاء الدّولة حـقّ إستكـشاف    و إسـتغلال مـصادر الـثّروة فى تلـك المنطقـة[1].

2.      المنطقة الإقتصاديّة الخالصة:
                             إلى جانب المنطقة المتاخمة التي تمارس عليها الدّولة السّاحليّة بعض الإختصاصات الوقائيّة، تتمتّع الدّولة الساحليّة بحقوق سياديّة على منطقة بحريّة أكثر أهميّة و هي المنطقة الإقتصاديّة الخالصة.
تعرّفها المادّة 55 من إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار لعام 1982 بأنّها "منطقة واقعة وراء البحر الإقليمي و ملاصقة له"، كما تحدّد المادّة 57 عرضها  حيث "لا تمتدّ إلى أكثر من 200 ميل بحريّ من خطوط الأساسا التي يُقاس منها عرض البحر الإقليمي".
فكرة المنطقة الإقتصاديّة تُعتبر حديثة في قانون البحار، حيث لم يتمّ تقنينها إلّا في إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لعام 1982، و تعود البدايات الأولى لظهورها إلى عام 1971 في كولومبو بمناسبة  الإجتماع السّنوي للّجنة القانونيّة الإستشاريّة الأفرو-آسيويّة الذي أقرّ أعضاؤه بأهميّة إحداث تلك منطقة تمارس الدّولة السّاحليّة سيادتها عليها و تمكنّها من إستكشاف الثّروات الطّبيعيّة، و قد لاقى الإقتراح ترحيب عديد الدّول خاصّة الأفريقيّة و دول أمركيا اللّاتينيّة.
شكّلت فكرة المنطقة الإقتصاديّة حلّا عمليّا للصّراع الذي دار بين الدّول النّامية، التي تريد تمديد بحرها الإقليمي إلى حدود 200 ميلا بحريّا حفاظا على مواردها و مقدّراتها، و بين الدّول المتقدّمة التي تنادي بتقليص عرض البحر الإقليمي حتّى لا تصبح تلك المساحات البحريّة حكرا على الدّول الساحليّة، خاصّة مع إمتلاكها لكلّ الوسائل التّكنولوجيّة لإستغلال البحر أينما وُجد.
على عكس المياه الداخليّة و البحر الإقليمي، لا تتمتّع الدّولة الساحليّة بسيادة كاملة على المنطقة الإقتصاديّة الخالصة، بل تتمتّع بجملة من الحقوق السّياديّة و الولاية على تلك المنطقة، كما هو منصوص عليه بالمادّة 56 من إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار.
 تتمثّل الحقوق السياديّة أساسا في:
-           إستغلال و إستكشاف الموارد الطّبيعيّة للمياه التي تعلو قاع البحر و لقاع البحر و باطن أرضه.
-          إنتاج الطّاقة من المياه و التيّارات و الرّياح.
-          حفظ الموارد الطّبيعيّة و إدارتها من خلال تحديد كمّيات الصّيد المسموح بها، و لها في ذلك أن تنفّذ قوانينها و أنظمتها الداخليّة.
أمّا ولاية الدّولة الساحليّة على المنطقة الإقتصاديّة الخالصة فتتمثّل أساسا في:
-          إقامة و إستعمال الجزر الإصطناعيّة و المنشآت و التّركيبات.
-          البحث العلمي البحري.
-          حماية البيئة و الحفاظ عليها.
-          حريّة الملاحة.
-          حريّة التّحليق.
-          حريّة وضع الكابلات و خطوط الأنابيب المغمورة.
في  مقابل هذه الحقوق تراعي الدّولة الساحليّة جملة من الواجبات في مواجهة باقي الدّول، و هي أساسا:
-           عدم المسّ من حريّة الملاحة و التّحليق و حريّة وضع الكابلات و خطوط الأنابيب المغمورة لتلك الدّول.
-          تقديم الإشعار الواجب عن إقامة الجزر الصّناعيّة أو المنشآت أو التّركيبات، و الإحتفاظ  بوسائل للتّنبيه بوجودها.
-          عدم تعريض بقاء الموارد الحيّة لخطر الإستغلال المفرط. 
-          تقديم و تبادل ما هو متوافر من المعلومات العلميّة عن كميّة الصّيد و عن مجهود الصّيد.
-          السّماح للدّول غير الساحليّة و الدّول المتضرّرة جغرافيّا في إستغلال جزء مناسب من فائض الموارد الحيّة للمناطق الإقتصاديّة الخالصة.

3.      الجرف القارّي:
                             من المتّفق عليه فقها، أنّ إستئثار الدّولة بجزء من ثروات قاع البحار المجاورة لساحلها تحت تسمية الجرف القارّي تمخّض عن ممارسة دوليّة، تلت إعلان الرّئيس الأمريكي "ترومان" سنة 1945، الذي من بين ما جاء فيه أنّ إقليم الولايات المتّحدة يمتدّ طبيعيّا تحت سطح البحر و "تكون ثرواته ملكا لها و تخضع لإختصاصها و مراقبتها[2]".
أعقب هذا الإعلان إعلانات لدول أخرى أقرّت فيها بحقوقها على الجرف القارّي، و قد خصّصت له إتّفاقيّة جنيف لعام 1958 بعض الأحكام التي تكرّرت بصفة أكثر وضوحا في إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار، التي نصّت في المادّة 76 على أنّ الجرف القارّي  لأيّة دولة ساحليّة "يشمل قاع و باطن أرض المساحات المغمورة التي تمتدّ إلى ما وراء بحرها الإقليمي في جميع أنحاء الإمتداد الطّبيعي لإقليم تلك الدّولة البرّي حتّى الطّرف الخارجي للحافّة القاريّة، أو إلى مسافة 200 ميلا بحريّا من خطوط الأساس التي يُقاس منها عرض البحر الإقليمي إذا لم يكن الطّرف الخارجي للحافّة القاريّة يمتدّ إلى تلك المسافة".
بإستقراء هذه المادّة، يمكن القول  أنّ نهاية الجرف القارّي للدّولة الساحليّة  هي نهاية الحافّة القاريّة، أي نهاية الإمتداد المغمور من الكتلة البريّة و التي تتألّف من قاع البحر و باطن الأرض للجرف و المنحدر          و الإرتفاع، و هو ما يجعل الجرف القارّي لبعض الدّول  يفوق 200 ميلا بحريّا إذا كان الإمتداد البرّي لتلك الدّولة يفوق تلك المسافة. في هذه الحالة على الدّولة أن تُعلم لجنة حدود الجرف القارّي و التي بدورها تقدّم توصيات نهائيّة و ملزمة لتلك الدّولة بخصوص تقرير حدود جرفها الحغرافي.
في الحالات التي يكون فيها الإمتداد البرّي للدّولة الساحليّة أقلّ من 200 ميل بحريّ، فلها أن تمدّ جرفها القارّي إلى تلك المسافة.
أمّا في حالة الدّول ذات السّواحل المتلاصقة أو المتقابلة، فقد نصّت المادّة 83 من نفس الإتّفاقيّة على أنّه يتمّ تعيين حدود الجرف القارّي بين هذه الدّول عن طريق الإتّفاق على أساس القانون الدّولي، من أجل التوصّل إلى حلّ منصف، و إذا تعذّر ذلك في غضون فترة معقولة من الزّمن، يتمّ اللّجوء إلى إجراءات خاصّة منصوص عليها بالجزء الخامس عشر (15) من الإتّفاقيّة.
على غرار المنطقة الإقتصاديّة الخالصة، تتمتّع الدّولة الساحليّة بحقوق سياديّة على الجرف القارّي لأغراض إستكشافه و إستغلال موادره الطّبيعيّة، و هي حقوق خالصة لها، أي أنّه إذا لم تقم الدّولة بتلك الأنشطة، فلا يجوز لأحد أن يقوم بها دون موافقة صريحة منها، كما أنّ هذه الحقوق لا يعطّلها الإحتلال أو أيّ إعلان صريح.
في المقابل، لا تمسّ حقوق الدّول السّاحليّة على الجرف القارّي النّظام القانوني للمياه العلويّة أو للحيّز الجوّي فوق تلك المياه،  و لا يجب أن تتعدّى ممارسة هذه الحقوق على الملاحة و غيرها من حقوق و حرّيات الدّول الأخرى، وفق ما إقتضته المادّة 78 من قانون البحار.



[1]  محمّد رضوان حسني موسى، مرجع سابق، ص.ص 70-71.
[2]  محمّد بو سلطان: مبادئ القانون الدّولي العام، ديوان المطبوعات الجامعيّة، الجزائر، 1994، ص 239.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.