قانون الضّمان الإجتماعي / المقدّمة 1





المقدّمة

منذ القدم، شكّل "العمل"  قيمة إجتماعيّة و مادّة خصبة تجاذبتها كتابات الفلاسفة و علماء الإجتماع،   و قد إنقسمت حوله الآراء و تعدّدت المدارس خاصّة بعد الثّورة الصّناعيّة التي شهدتها أوروبا،  و يمكن في هذا المجال ذكر المدرسة العلميّة الكلاسيكيّة التي  ظهرت أواخر القرن التّاسع عشر.
 رغم الإنجازات التي قدّمتها هذه المدرسة و التّجديد الذي أدخلته على مفهوم بيئة العمل داخل المؤسّسات، فإنّها تعرّضت إلى النّقد خاصّة فيما يخصّ تعاملها مع العامل ، حيث أصبح هذا الأخير بمثابة الآلة التي تعمل بلا هوادة،  دون إيلاء إهتمام لإحتياجاته الطبيعيّة، و ذلك في خضوع تام للرّؤساء  و أرباب العمل.
لهذه الإعتبارات، ظهرت مدرسة العلاقات الإنسانيّة التي جاءت لتعدّل تلك النّقائص، و لتقترح مفهوما آخر لإدارة العمل، يركّز على الجانب الإنساني، و قد تجاوزت النّقائص التي إعترت أعمال روّاد المدرسة العلميّة، و ذلك بتنصيصها على الجانب الإنساني للعامل، لكنّها أيضا لم تخلو من نقد، خاصّة فيما يتعلّق بإهمالها للجانب التّنظيمي لبيئة العمل، و لتركيزها على الجانب النّفسي و العاطفي للفرد، ليس بوصفه إنسانا، بل بوصفه عاملا، أي أنّ هذه المدرسة قد ركّزت على البيئة الإنتاجيّة ، و أهملت إحتياجات العامل خارجها  و هو ما أدّى إلى ظهور المدرسة السلوكيّة.
من أبرز روّاد هذه المدرسة، يمكن ذكر عالم النّفس الأمريكي ابراهام ماسلو Abraham Maslow، صاحب نظريّة الحاجات الإنسانيّة، و الذي نادى بضرورة تحفيز العامل عبر إشباع إحتياجاته الأساسيّة  و المتنوّعة، بغاية تقوية دافعيّته نحو العمل.
قام ماسلو بتقسيم تلك الإحتياجات الى هرم تفاضلي، على المؤسّسة أن تراعيه عند تعاملها مع العامل - تبعا لعنصري الأولويّة و الأهميّة- و ذلك في تجاوز لمفهوم التّحفيز المادّي التقليدي.


هذه الإحتياجات التي نصّ عليها ماسلو في هرمه شكّلت ركيزة الفكر الإداري في العصر الحديث لإرتباطها بحاجات الأفراد داخل بيئة العمل و خارجها، و لعلّ فكرة الضّمان الاجتماعي لا تخرج عن هذه الإحتياجات.  فهذه الفكرة ترتبط إرتباطا وثيقا بحاجات الأمان و الحاجات الإجتماعيّة، من أمن وظيفي    و تجنّب للمخاطر و أمان النّفس و الممتلكات..
بعبارة أخرى، يمكن القول أنّ فكرة الضّمان الاجتماعي تتعلّق بحماية الأشخاص من مختلف المخاطر التي يمكن أن تهدّدهم، و بالتّالي يمكن إعتبار قانون الضّمان الاجتماعي "مجموعة من القواعد القانونيّة التي تهدف إلى تأمين الأفراد ضدّ المخاطر الحياتيّة التي يمكن أن تجابههم". هذا القانون شهد عديد التطوّرات، ليصل إلى الشّكل الحالي.

أوّلا: تطوّر قانون الضّمان الإجتماعي:
مثّل النّضال الإجتماعي جزءا هامّا في تاريخ الحركة الوطنيّة و ذلك من خلال المطالبة بتحسين أوضاع الشغّالين و توفير الضّمانات الإجتماعيّة لهم و لعائلاتهم، و قد كتب الطّاهر الحدّاد في هذا الخصوص موضّحا أهميّة الحماية الإجتماعيّة:
"يكون التّعاون لسدّ حاجيّات الإستهلاك، و هو ما يُسمّى بالصّناديق الإحتياطيّة التي يؤسّسها العمّال لما يطرأ عليهم أو على عائلاتهم من مرض أو إحتياج[1]".
على المستوى التّشريعي، تعود نشأة الضّمان الإجتماعي في تونس إلى القرن التّاسع عشر و تحديدا مع إحداث  صندوق الحيطة لموظّفي الدّولة التّونسيّة في 22 جانفي 1898، ثمّ تتالت القوانين بعد ذلك و كانت البداية بإحداث نظام المنافع العائليّة بمقتضى الأمر المؤرّخ في 28 نوفمبر 1918.
 مع حلول عام 1921، أصبح التونسيّون يخضعون للقانون الفرنسي المتعلّق بالتّعويض عن الأضرار النّاتجة عن حوادث الشّغل، كما تمّ إقرارا منحة الأجر الوحيد بمقتضى الأمر المؤرّخ في 24 فيفري 1944.
الجدير بالذّكر أنّ كلّ هذه النّصوص قد سُنّت في فترة الإستعمار الفرنسي ، و هو ما جعل الغاية منها ليست خدمة العامل و الموظّف التّونسي، بقدر ما هي تشجيع للفرنسيّين على القدوم و العمل بالأراضي التونسيّة، فضلا عن أنّها كانت بمثابة تشريعات مُسقطة على المجتمع التّونسي حيث لم تراعي خصوصيّاته و لم تلائم الأوضاع الإقتصاديّة في تلك الفترة.
لذلك، يمكن الإقرار بأنّ أنظمة الضّمان الإجتماعي لم تشهد إنطلاقتها الفعليّة في البلاد التونسيّة إلّا بداية من تاريخ الإستقلال، و ذلك بإعتماد مفاهيم و أنظمة مختلفة عن تلك التي كانت تطبّقها السّلطات الفرنسيّة، في محاولة لملاءمة الضّمان الاجتماعي لخصوصيّة المجتمع التّونسي و تحقيقا للأهداف المنشودة، و قد تجسّد ذلك من خلال الأحكام المنظّمة للتّغطية الإجتماعيّة، و كذلك من خلال المؤسّسات القضائيّة المختصّة بالنّظر في نزاعات الضّمان الإجتماعي[2].



[1]  عصام الأحمر: إشكالات في نزاعات الضّمان الاجتماعي، تونس، 2010، ص 9.
[2]  نفس المرجع، ص 11.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.