طبيعة المجتمع الدّولي



شهد المجتمع الدّولي عديد التطوّرات التي أدّت إلى وضعه الحالي، و في حقيقة الأمر، لا يمكن تحديد نقطة بداية حقيقيّة و الإدّعاء أنّها تُعتبر المنعرج الحاسم في تاريخ الدّول و الشّعوب، حيث أنّ لكلّ مرحلة تاريخيّة سماتها و تأثيرها الخاصّة على المجتمع الدّولي. لكن عموما يمكن القول أنّ التطوّر الحقيقي            و النُّقلة حقيقيّة كانت مع ظهور الدّولة الحديثة في أوروبا بعد ما يُعرف بحرب الثّلاثين التّي إنتهت عام 1648 بإبرام معاهدة وستفاليا.
بوادر هذه الحرب كانت بسبب خضوع دول غرب أوروبا لسلطة البابا و ما أعقب ذلك من ردّات فعل تمثّلت في محاولات الإصلاح السياسيّة و الفكريّة و الدينيّة، و التّي تُوّجت بظهور بعض القواعد القانونيّة الدوليّة الجديدة لتي تنظم العلاقات المتبادلة، و الإلتزام بالمعاهدات المبرمة -لا سيما بعد إكتشاف القارّة الأمريكيّة - لظهور قضايا دوليّة جديدة، كإكتشاف الأراضي الجديدة، و حريّة الملاحة، و تجارة الرّقيق،      و ذلك على أيدي مجموعة من فقهاء القانون الدّولى أمثال الإسبانيين "فيتوريا"  ""Francisco de Vitoria  و  "سواريز" "" Francisco Suarez، و الهولندي "جروسيوس" "Hugo Grotius و الألماني "فاتيل" "Vattel" [1]، كما تُوّجت بإستقلال تلك الدّول عن سلطة الكنيسة  و البابا و التخلّص من السّلطة الإقطاعيّة و إبرام معاهادات وستفاليا للسّلام التي التي أنهت الصّراع بين الدّول الكاثوليكيّة المساندة للبابا و الدّول البروتستانتيّة المناهضة لسلطة الكنيسة.

من أبرز المبادئ التّي أتت بها تلك الإتّفاقيّة، و التي تُعتبر النّواة الفعليّة للمجتمع الدّولي المعاصر:
-          إستقلال عديد الدّول التي كانت تضمّها الإمبراطوريّة الجرمانيّة.
-          المساواة بين الدّول و تقديس تلك المساواة.
-          المحافظة على السّلم في أوروبا، بالتّكاتف ضدّ أيّ دولة تحاول التوسّع على حساب غيرها[2].
هذا التطوّر الحثيث للمجتمع الدّولي لم يتوقّف عند هذا الحدّ، بل دعّمته عديد الحركات الثوريّة و التحرريّة على غرار إستقلال المستعمرات الأمريكيّة عن العرش البريطاني عام 1776، ثمّ الثّورة الفرنسيّة عام 1789، و ما تلى ذلك من إعلانات دوليّة، ثمّ توجّه المجتمع الدّولي إلى عقد المؤتمرات الدوليّة كوسيلة لتعزيز التّعاون بين الدّول. لكن هذا لم يمنع من قيام الحروب، لعلّ أبرزها الحربين العالميّتين الأولى            و الثّانية و ما إقتضاه ذلك من مزيد التّعاون، و من ثمار ذلك التّعاون إنشاء المنظّمات الدوليّة و على رأسها منظّمة الأمم المتّحدة.
هذه التطوّرات و التّغييرات الجذريّة التي شهدها المجتمع الدّولي جعلت الفقهاء يختلفون حول طبيعة هذا المجتمع، و خصائصه.
المبحث الأوّل: طبيعة المجتمع الدّولي:
إنقسم الفقهاء في تصوّرهم للمجتمع الدّولي إلى شقّين: شقّ يرى أنّه مجتمع عشوائي تسوده الفوضى،  و شقّ آخر ينظر له على أنّه مجتمع منظّم.
الفقرة الأولى: المجتمع الدّولي مجتمع فوضوي
               يأتي "هوبز" " Thomas Hobbes" على رأس قائمة المفكّرين الذين يرون في المجتمع الدّولي مجتمعا فوضويّا، يكون للقوّة فيه القول الفصل، فهو يبدأ نظريّته بالقول بأنّ الإنسان بفطرته يميل إلى الصّراع مع أقرانه إمّا لإنتزاع فائدة أو دفاعا عن ذاته و حماية لأمنه الشّخصي. و هذه الفطرة البشريّة تبدو في أوضح صورة لها عند غياب السّلطة المنظّمة، إذ يستمرّ الإنسان في حرب مع الآخرين[3]، و هي الحالة الطبيعيّة كما يُسمّيها، أي الحالة التي لا تحضر فيها الحكومة، و هو نفس التصوّر  الذي تبنّاه الإيطالي "مكيافيلي" " Nicolas Machiavel" في تصوّره للسّلطة السّياسيّة.
يعرّف هوبز القوّة "بأنّها "وسيلة الإنسـان الرّاهنـة، لإحـراز خـير مـا في المسـتقبل"، و إنطلاقا من هذا المفهوم للقوّة، يمضي هوبز إلى تحديد طبيعـة العلاقـات التـي يمكـن أن تقوم بين أفراد البشر في حالة تعايشـهم معـا، أي في نطـاق المجتمـع، فيبنـي عـلى أساسـه مفهومـه الخاصّ للقيمة و مظاهر التّعبير عنها     أو الإعتراف بها، و ما يترتّب عـلى ذلـك من نتائج تنعكس على علاقاتهم و سلوكهم تجاه بعضهم البعض[4].
و لتجنّب التّصادمات و الحروب الأهليّة –نتيجة لتساوي النّاس في إمتلاك القوّة- يرى هوبز أنّ على الأفراد الخضوع لسلطة مطلقة تفرض قوانينها على الجميع، و هو ما يُعرف بالعقد الإجتماعي، لكن هذا التصوّر لا يمكن إستنساخه في مجال العلاقات الدوليّة حيث تغيب هذه السّلطة، و بالتالي فإنّ المجتمع الدّولي يُعتبر من أبرز تمثّلات  الحالة الطبيعيّة، حيث القويّ هو الذي يحكم.
هذا التوجّه في تصوّر العلاقات الدوليّة تبنّته المدرسة الواقعيّة التي ينتمي إليها هوبز و مكيافيلي، و التي تضمّ الشخصيّات المتميّزة في القرن العشرين أمثال راينهولد نيبور و هانز مورغنثاو و جورج كينان و كينيث والتر و جون ميرشايمر في الولايات المتّحدة، و إي إتش كار في بريطانيا.
على الرّغم من إختلاف بعض التّفاصيل، إلّا أنّها تشترك في نّكهة متميّزة و واضحة للغاية، إذ يؤكّد الواقعيّون على القيود التّي تفرضها الأنانيّة الإنسانيّة على السّياسة و غياب الحكومة العالميّة، أي الفوضى، و هو ما يتطلّب أولويّة القوّة و الأمن في كلّ الحياة السّياسيّة[5].
هذا التصوّر للمجتمع الدّولي يمثّل إحدى الأسس الرّئيسيّة لنظريّة هؤلاء الفقهاء، فهو لا يتكوّن في نظرهم سوى من الدّول ذات السّيادة، و العلاقات الدوليّة لا تتصوّر إلّا علاقات بين الدّول[6]، لا يحكمها القانون، بل إرادة الدّول السيّدة هي التي تهيمن، و بالتّالي فإنّ الحالة الطّبيعيّة للمجتمع الدّولي هي حالة الحرب المشروعة.
هذا التوجّه في إعتبار أنّ المجتمع الدّولي تحكمه القوّة قد أيّدته عديد الشّواهد التّاريخيّة، لعلّ أبرزها الحروب التي دارات و لا تزال تُدار منذ القدم، حيث أدّت كلّ هذه الحروب الى نشأة نظام علائقي متوتّر تحكمه الدّول و تُسيطر عليه، و هو ما جعل البعض يتحدّث عن مفهوم "مجتمع الدّول" بدل المجتمع الدّولي.
الفقرة الثّانية: المجتمع الدّولي مجتمع منظّم
                 على عكس الشقّ الأوّل، يرى الشقّ الثّاني من الفقهاء أنّ المجتمع الدّولي مجتمع منظّم يحكمه القانون، كما أنّه يقوم على التّعاون بين مكوّناته.
  ينطلق روّاد هذه المدرسة من أنّ وجود نظام قانوني يحتوي على مجموعة من القواعد المتّفق عليها و القابلة للتّطبيق دليل على وجود هيكل منظّم تُطبّق فيه هذه القواعد التي لا توجد إلّا لمّا يوجد المجتمع وطنيّا كان أم دوليّا[7]، و هذه القواعد هي القوانين التي تحكم المجتمعات الوطنيّة على إختلاف مصادرها، أمّا في الوسط الدّولي، فإنّ القانون الدّولي هو الذي يتكفّل بهذه المهمّة.
حسب هذه النظريّة، يُعتبر المجتمع الدّولي مجتمعا منظّما لأنّه محكوم بنظام قانوني (القانون الدّولي) و الذي يتكوّن من مجموعة من القواعد القانونيّة التي تسري على الكافّة، فالقانون لا ينشأ إلّا في مجتمع، و بالتّالي هو ظاهرة إجتماعيّة، و هو يهدف إلى تنظيم العلاقات بين أفراده، فهو إذن لا يوجد إلّا في مجتمع منظّم، أو أنّه منذ أن يوجد يصبح المجتمع الذي يولد فيه مجتمعا منظّما[8].
يتّفق العديد من أنصار المجتمع المنظّم مع معارضيهم من أنصار فوضويّة المجتمع الدّولي في النّظر إلى الدّول على أنّها الأعضاء الرّئيسيّة –إن لم تكن الوحيدة- في ذلك المجتمع، فالعديد من فقهاء القانون الدّولي أمثال " رويتر" " Paul Reuter" و "كافاريه" " Louis Cavaré" يعتبرون أنّ المجتمع الدّولي قد يضمّ أشخاصا آخرين غير الدّول كالمنظّمات الدوليّة مثلا، أو مثل بعض الأفراد أو مجموعات من الأفراد، غير أنّ وجود هؤلاء لا يخرج عن إرادة الدّول ذات السّيادة، و بالتّالي فإنّ الدّول ذات السّيادة تظلّ هي العنصر الغالب في تكوين المجتمع الدّولي[9].
هذا التوجّه، في إقصاء المنظّمات الدوليّة من مجال العلاقات الدوليّة قد تمّ تجاوزه -كما تمّت الإشارة إليه سابقا- و أصبحت هذه المنظّمات تتمتّع بالشخصيّة القانونيّة مثلها مثل الدّول، و ببروزها تأكّدت فكرة تنظيم المجتمع الدّولي، حيث تُعتبر هذه المنظّمات أكبر دليل على أنّ المجتمع الدّولي منظّم إلى حدّ ما، حيث أنّها التّعبير الأسمى عن إرادة الدّول في تطوير علاقاتها و تحقيق التّعاون المستمرّ، و لعلّ  منظّمة الأمم المتّحدة هي أبرز مثال للمنظّمات الدوليّة التي يسعى أعضاؤها إلى التّعاون و إحلال مبادئ الودّ بدل القوّة.
أيضا، هذا التوجّه في إعتبار أنّ المجتمع الدّولي هو مجتمع منظّم تأكّد خاصّة بعد إبرام معاهدات وستفاليا، حيث أصبحت العلاقات قائمة على مبدأين مهمّين هما السّيادة و المساواة، و بالتّالي تغييب منطق القوّة، و في هذا الإطار يمكن إعتبار المعاهدات التي تبرمها الدّول فيما بينها أكبر دليل على توّجه الدّول نحو إحلال نوع من النّظام بالخضوع إلى قانون دولي مشترك، كما أنّ تطوّر مفهوم الدّبلوماسيّة      و تعدّد  أشكالها يؤكّد على فكرة أنّ المجتمع الدّولي يسير نحو التّنظيم، و هو ما يستدعي ضرورة دراسة خصائص هذا المجتمع.



[1]  سعود بن خلف النويميس: القانون الدّولي العام، مكتبة القانون و الإقتصاد، 2014، ص 16.
[2]  نفس المرجع، ص 17.
[3]  محمّد السّعيد الدقّاق، مرجع سابق، ص 12.
[4]  نبيل عبد الحميد عبد الجبّار: توماس هوبز و مذهبه في الأخلاق و السّياسة، دار دجلة ناشرون و موزّعون، 2007، ص 146-148.
[5]  سكوت بورتشيل و آخرون: نظريّات العلاقات الدوليّة، ترجمة محمّد صفار، المركز القومي للتّرجمة، الطّبعة الأولى، 2014، ص 52.
[6]  محمّد السّعيد الدقّاق، مرجع سابق، ص 14.
[7]  عبد المجيد العبدلّي، مرجع سابق، ص 19.
[8]  محمّد السّعيد الدقّاق، مرجع سابق، ص 19.
[9]  نفس المرجع.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.