العناصر القانونيّة للدّولة / الشخصيّة القانونيّة




الفصل الأوّل: الدّولة:
المبحث الأوّل: العناصر الماديّة لقيام الدّولة:


المبحث الثّاني: العناصر القانونيّة لقيام الدّولة:
إنّ إجتماع العناصر الثّلاثة، الشّعب و الإقليم و التّنظيم السّياسي، ليس كافيا بحدّ ذاته لقيام الدّولة، فقد تتوافر هذه العناصر الثّلاثة في التّقسيمات الإداريّة داخل الدّولة البسيطة، و في الدّول أو الولايات الأعضاء في الإتّحادات الفيداراليّة أو في المستعمرات و المحميّات، و مع ذلك لم يُعترف لهذه المناطق بشخصيّة الدّولة[1].
المعايير السّابقة (الماديّة) قد تصلح للحديث عن وجود الدّولة ماديّا، و وجود الدّولة لا يعني بالضّرورة قيامها، و نقصد بقيام الدّولة قدرتها على التّعبير عن إرادتها في نطاق العلاقات الدوليّة عبر شخصيّتها القانونيّة (المطلب الأوّل) و تحت غطاء السّيادة (المطلب الثّاني)، أي بعبارة أوضح، الدّولة لا تقوم في القانون الدّولي العام إلّا بتوافر العناصر القانونيّة التي تميّزها عن غيرها من الكيانات.

المطلب الأوّل:الشخصيّة القانونيّة:
يُقصد بالشخصيّة القانونيّة للدّولة أهليّتها لإكتساب الحقوق و تنفيذ إلتزاماتها تجاه الدّول الأخرى،          و تُجاه المجتمع الدّولي ككلّ، فالدّولة كيان مستقلّ له وجوده الخاصّ بمعزل عن الأفراد الذين يكوّنونه،   و ذلك على المستوى الدّاخلي و الخارجي على حدّ سواء.
الحديث عن الشخصيّة القانونيّة و إسنادها للدّولة يكتسي أهميّة قُصوى في القانون الدّولي العام، فهذا القانون لا يكون نافذا إلّا عبر تحديد الأشخاص المخاطبين بقواعده، و قد مرّ هذا التّحديد عبر مراحل عدّة و نقاشات فقهيّة –سبق الحديث عنها- أفضت في الأخير إلى الإعتراف للدّولة بالشخصيّة القانونيّة.

الفرع الأوّل: الإعتراف بالشخصيّة القانونيّة للدّولة:
في البداية، لم يكن يُعترف للدّولة بالشخصيّة القانونيّة على النّحو المعمول به اليوم، حيث أنكر شقّ من الفقهاء على الدّولة تمتّعها بهذه الشخصيّة، و على رأس هؤلاء الفقهاء الفرنسي "ليون ديغي"    "Léon Duguit" الذي يرى أنّ الدّولة ما هي إلّا حدث و واقعة إجتماعيّة، و تتكوّن من حكّام و محكومين يخضعون للسّلطة السّياسيّة في حدود القانون، و دون الحاجة إلى الإعتماد على فكرة الشخصيّة القانونيّة.
كما يرى الفقيه " جورج سل" "Georges Scelle" أنّ الدّولة مجرّد إفتراض لا وجود له في الواقع، و هو نفس الرّأي الذي ذهب له الفقيه "كلسن" "Hans Kelsen"  الذي يعتبر أنّ الدّولة مجموعة من القواعد القانونيّة الآمرة، و ليست شخصا قانونيّا[2].
هذا النّقاش حول تمتّع الدّولة بالشخصيّة القانونيّة قد تمّ تجاوزه ، حيث إستقرّ الفقه اليوم و معه القانون الدّولي العام على الإعتراف للدّولة بالشخصيّة القانونيّة، لكن السّؤال الذي يُطرح بهذا الخصوص هو الآتي:
كيف تكتسب الدّولة الشخصيّة القانونيّة؟ أو من يمنح هذه الدّولة شخصيّتها القانونيّة؟
كما سبق و تمّت الإشارة إليه، فإنّ من خصائص المجتمع الدّولي غياب سلطة مركزيّة تخضع لها الدّول،   و عدم وجود تسلسل هرمي لقواعد القانون الدّولي مـن جهة أخرى، و بالتّالي يملـك الأشـخاص الـدوليّون نطاقـا واسـعا للتّعبـير عـن إراداتهـم الدوليـّة و مصـالحهم الشخصيّة، بدون قيود كثيرة على هـذه الإرادة،      و مـع هـذا فهـم يلتزمـون بمـا يصـدر عـنهم مـن تصرّفات قانونيّة، بموجب قاعدة التّقييد الذّاتي.
من هنا، وُصف القانون الـدّولي بأنـّه قـانون رضائي، لأنّ أشخاص القانون الدّولي (الدّول خصوصا)  لا تلتزم إلّا بإرادتها،  و وُصف بأنـّه قـانون تنسـيق و لـيس قانونا سلطويّا، لأنّه من صُنع أشخاص و ليس من صنع سلطة أعلى منها[3].
بهذا المنطق، فإنّ للدّول دورا مهمّا في الإعتراف ببعضها البعض، و بالكيانات الأخرى التي تنافسها في التمتّع بالشخصيّة القانونيّة (المنظّمات الدوليّة)، و من هذا المنطلق أصبح "للإعتراف الدّولي" دور مهمّ في العلاقات الدوليّة.
و الإعتراف حسب التّعريف الذي قدّمه معهد القانون الدّولي  هو "عمل حرّ تُقرّ بمقتضاه دولة أو مجموعة من الدّول بوجود جماعة لها تنظيم سياسي في إقليم معيّن، مستقلّة عن كلّ دولة أخرى،       و قادرة على الوفاء بإلتزامات القانون الدّولي العام، و تُظهر الدّول بالإعتراف نيّتها في إعتبار هذه الدّولة عضوا في الجماعة الدوليّة".
يُعتبر الإعتراف تصرّفا إنفراديّا تقوم به الدّولة من تلقاء نفسها، و هو مصدر من مصادر القانون الدّولي العام غير المنصوص عليها بالمادّة  38 من النّظام الأساسي لمحكمة العدل الدوليّة،و يرتّب آثارا قانونيّة تمسّ من مصالح الدّولة المعترِفة أو من مصالح دولة أخرى (أو أيّ كيان آخر)، و قد إختلف الفقهاء بخصوص تلك الآثار،                 و إنقسموا إلى مدرستين:
·       مدرسة أولى تتبنّى نظريّة الإعتراف المنشئ: ترى أنّ الدّولة لا تصبح شخصا دوليّا إلّا بعد الإعتراف بها.
في هذا الصّدد، يرى الدّكتور "علي صادق أبو هيف" أنّ الإعتراف "يجعل من الدّولة الجديدة شخصا دوليّا، و بدونه لا تستطيع أن تتمتّع بالحقوق التي يقرّها القانون الدّولي العام للدّول الأعضاء في الجماعة الدوليّة، و لا تأخذ مكانا في هذه الجماعة"[4].
وُجّهت عديد الإنتقادات لهذه النظريّة لمغالاتها في الإعتداد بإرادة الدّول في إنشاء دول أخرى مضاهية لها في السّيادة، فالدّولة تنشأ وفق ظروف و أحداث تتعدّى إرادة أيّة دولة، و بالتّالي لا يمكن ربط وجود دولة ما بموافقة دولة أو دول أخرى.
·       مدرسة ثانيّة تتبنّى نظريّة الإعتراف الكاشف: ترى أنّ الدّولة موجودة فعليّا دون الإعتراف بها، فالإعتراف له مفعول إقراري فقط، و عدم الإعتراف لا يؤدّي –بأيّ حال من الأحوال- إلى زوالها أو حرمانها الشخصيّة القانونيّة، فآثاره لا تتعدّى إمتناع الدّولة أو الدّول غير المعترِفة عن إقامة علاقات دوليّة مع الدّولة الجديدة.
في هذا الصّدد، يرى "الدّكتور ميلود المهذبي" أنّ الإعتراف "تصرّف أحادي الجانب يكشف عن الدّولة و لا ينشئها، و يسفر عن آثار قانونيّة"[5].
تُعتبر هذه النظريّة الأقرب إلى الواقع، و قد تبّناها عديد الفقهاء و إعتمدها معهد القانون الدّولي في التّعريف الذي قدّمناه سابقا، و  أقرّها القضاء الدّاخلي لبعض الدّول، حيث جاء في الحكم الذي أصدرته محكمة التّحكيم بين ألمانيا و بولونيا عام 1929 بشأن الإعتراف بدولة بولونيا أنّ "الإعتراف، كما ترى جمهرة الفقهاء الدوليّين، ليس عملا منشئا، بل هو مجرّد إجراء كاشف، إذ أنّ الدّولة توجد بذاتها، و الإعتراف ليس سوى تصريح بهذا الوجود يصدر عن الدّول المعترِفة"[6].
الملاحظة الأخيرة في هذا المجال، بخصوص الشّكل الذي يمكن أن يتّخذه الإعتراف، حيث يمكن أن يكون صريحا تُظهره الدّولة أو الدّول المعترِفة عبر معاهدة أو مذكّرة أو إعلان، كما يمكن أن يكون ضمنيّا من خلال تصرّفاتها، عبر تبادل البعثات الدّبلوماسيّة أو قبول عضويّة الدّولة الجديدة في منظّمة دوليّة.


الفرع الثّاني:النّتائج المترتّبة عن الإعتراف بالشخصيّة القانونيّة للدّولة:
يترتّب عن إسناد الشخصيّة القانونيّة للدّولة جملة من النّتائج، حيث –كما أسلفنا الذّكر- تمثّل هذه الشخصيّة المعيار الأساسي لوجود الدّولة و فرض إرادتها في العلاقات الدوليّة، و عليه فإنّ الدّولة تتمتّع بجملة من الحقوق، و تقع على عاتقها بعض الإلتزامات، و من بين أهمّ هذه الإلتزامات:
-          الإمتناع عن التدخّل في الشّؤون الداخليّة للدّول الأخرى، و قد أقرّ ميثاق الأمم المتّحدة هذا المبدأ في الفقرة السّابعة من المادّة الثّانية حيث ينصّ على أنّه "ليس في هذا الميثاق ما يسوّغ 'للأمم المتّحدة أن تتدخّل في الشّؤون التي تكون من صميم السّلطان الدّاخلي ‏لدولة ما، و ليس فيه ما يقتضي الأعضاء أن يعرضوا مثل هذه المسائل لأن تحل بحكم هذا الميثاق، على أنّ ‏هذا المبدأ لا يخلّ بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السّابع"، و إعتبره قرار الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة رقم  2625 (XXV) شرطا أساسيّا لضمان العيش بسلام بين الدّول.
-          الإمتناع عن إستعمال القوّة أو التّهديد بها، حيث تنصّ الفقرة الرّابعة من المادّة الثّانية من ميثاق الأمم المتّحدة على أن "يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدوليّة عن التّهديد بإستعمال القوّة أو إستخدامها ضدّ سلامة الأراضي أو الإستقلال السّياسي لأيّة دولة أو على أيّ وجه آخر لا يتّفق              و مقاصد الأمم المتّحدة".
-          وجوب حلّ النّزاعات بالطّرق السلميّة، حيث يفرض ميثاق الأمم المتّحدة على الدّول الأعضاء  اللّجوء إلى الوسائل الدبلوماسيّة و القضائيّة لحلّ خلافاتهم، و قد نصّت المادّة 33 من الميثاق على  أنّه "يجب على أطراف أيّ نزاع من شأن إستمراره أن يعرض حفظ السّلم و الأمن الدّولي للخطر أن يلتمسوا حلّه بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة و التّحقيق و الوساطة و التّوفيق و التّحكيم و التّسوية القضائيّة، أو أن يلجؤوا إلى الوكالات و التّنظيمات الإقليميّة أو غيرها من الوسائل السلميّة التي يقع عليها إختيارها".
من خلال الشخصيّة القانونيّة، تصبح الدّولة مسؤولة عن كلّ أفعالها تجاه الدّول الأخرى و المجتمع الدّولي ككلّ،  و تعني المسؤوليّة في معناها البسيط قيام الدّولة بتعويض المتضرّرين عن أفعالها غير المشروعة.
  كما تترتّب عن هذه الشخصيّة نتائج أخرى، لعلّ أهمّها إستمراريّة الدّولة على الرّغم من التّغييرات التي قد تطرأ على إقليمها أو نظام الحكم فيها، فضلا عن أنّ كافّة الأعمال التي يقوم بها ممثّلوها على المستوى الخارجي تُسند لها و تتحمّل آثارها السّياسيّة و القانونيّة[7].



[1]  عصام عطيّة: مرجع سابق، ص ص 281-282.
[2]  محمّد نصر محمّد: مرجع سابق، ص 282.
[3]  صليحة علي صداقة: الإعتراف في القانون الدّولي العام المعاصر، دار النّهضة العربيّة للنّشر و التّوزيع، 2010، ص 13.
[4]  محمّد بوبوش: مشروع بناء الدّولة الفلسطينيّة: دراسة قانونيّة و سياسيّة، أمواج للنّشر و التّوزيع، عمان-الأردن، 2015، ص 104.
[5]  نفس المرجع.
[6]  عصام العطيّة: مرجع سابق، ص 331.
[7]  عبد المجيد العبدلّي: مرجع سابق، ص 104.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.