العناصر الماديّة للدّولة / الشّعب 1





الفصل الأوّل: الدّولة:
إنّ التّعريف الصّحيح للدّولة يجب أن  يتضّمن جميع العناصر اللّازمة لتكوينها (المبحث الأوّل)، فضلا عن عناصرها القانونيّة التي تساهم في قيامها (المبحث الثّاني).
المبحث الأوّل: العناصر الماديّة لقيام الدّولة:
بوجه عام، تُعتبر الدولة الصّورة الحديثة للجماعة السياسيّة، و هى كيان سياسي و قانوني مُنظّم يتمثّل في مجموعة من الأفراد (المطلب الأوّل) الذين يقيمون على أرض محدّدة (المطلب الثّاني)، و يخضعون لتنظيم سياسي و قانوني و إجتماعي تفرضه سلطة عليا (المطلب الثّالث)[1].
المطلب الأوّل: الشّعب:
الشّعب هو من العناصر الأساسيّة في تكوين الدّولة، إذ لا يُتصوّر وجود دولة من دون العنصر البشري المكوّن لها، كما لا يُشترط عدد معيّن لأفراد الشّعب، فالدّولة كما تقوم بمئات الملايين كما هو الحال في الهند و الصّين على سبيل المثال، تقوم أيضا على بضع عشرات من الآلاف كما في جزر القمر و البحرين مثلا[2].



الفرع الأوّل: مفهوم الشّعب:
الشّعب هو العنصر المادّي المكوّن للدّولة هو الشّعب ، أي مجموعة الأفراد المقيمين بصفة دائمة على إقليم الدّولة، و الذين تربطهم بها رابطة قانونيّة تُسمّى الجنسيّة، و على أساس الجنسيّة يمكن التّمييز في بين فئتين من الأشخاص:
-          فئة أولى تضمّ الأفراد الذين تربطهم بالدّولة رابطة الجنسيّة و هؤلاء هم الوطنيّون ، الذين يتمتّعون بالحقوق الخاصّة و العامّة و السياسيّة، و يخضعون لأشدّ الإلتزامات عبئا في مواجهة الدّولة التي ينتمون إليها، كما أنّ الدّولة تملك تجاههم كامل الإختصاص الإقليمي ، و تمارس فضلا عن ذلك في مواجهتهم إختصاصا شخصيّا مستقلّا عن وجودهم على الإقليم ، فالوطني يخضع حتّى و لو كان مقيما بالخارج لإلتزامات تُجاه دولته كالخدمة العسكريّة مثلا،  و في مقابل ذلك يستفيد من حماية الدّولة التي ينتسب إليها .
-          أما الطّائفة الثّانية فتضمّ الأفراد الذين لا تربطهم بالدّولة التي يقيمون على إقليمها رابطة الجنسيّة، و إنّما تربطهم رابطة أخرى هي رابطة الإقامة أو التّوطّن و تُسمّى هذه الطّائفة بالأجانب، و هم يخضعون للأحكام التي تقرّرها كلّ دولة و التّي تحدّد حقّهم في دخول الدّولة أو الخروج منها ، كما أنّ الأجانب يتمتّعون كذلك بالحقوق التي يقرّرها القانون الدّولي ، كالإعتراف بالشخصيّة القانونيّة و بالحرية والحقوق اللّصيقة بالشخصيّة الإنسانيّة و ما لهم من حقوق مكتسبة و الحقّ في التّقاضي و حماية الدّولة التي يقيمون على أراضيها ، و لكن لا يتمتّعون بالحقوق السياسيّة كحقّ الإنتخاب و غيره، لأنّها مقصورة على مواطني الدّولة[3].
الفرق بين الفئتين ينتج فرقا في المصطلحات المستعملة، حيث يُطلق لفظ الشّعب على الطّائفة الأولى التي تربطها بالدّولة رابطة الجنسيّة و هم الشّعب أساسا، في حين يُطلق لفظ السكّان على كلّ المقيمين على إقليم الدّولة أي الوطنيّين و الأجانب معا.
تحدّد الدّولة مـن خـلال تشرـيعاتها الداخليـّة جميع المسائل المتعلّقة بالجنسيّة من طرق إكتسابها الى فقدانها[4]،   و هو ما قد تنتج عنه فئة ثالثة لا تحمل جنسيّة أيّة دولة، تُسمّى بعديمي الجنسيّة، فعلى سبيل المثال ينصّ الفصل الأوّل (01) من القانون عدد 7 لسنة 1968 المؤرّخ في 8 مارس 1968 و المتعلّق بحالة الأجانب بالبلاد التونسيّة على أنّه "يُعتبر أجانب في نظر هذا القانون جميع الأشخاص الذين ليست لهم الجنسيّة التونسيّة سواء كانت لهم جنسيّة أجنبيّة أو لم تكن لهم جنسيّة".
غالبا ما يرتبط أفراد الشعب الواحد برابطة قويّة قائمة على  الإشتراك في العادات و التّقاليد  و الأهداف                و التّاريخ، ممّا يؤدّي الى إتّحادهم في مجموعة قوميّة متميّزة عن باقي المجموعات الأخرى تسمّى بالأمّة، و الأمّة هي جماعة من النّاس مستقرّة على بُقعة من الأرض تجمع بين أفرادها الرّغبة المشتركة في العيش معا[5].
كما يعرّف جورج حنّا القوميّة بأنّها "عقد إجتماعي في شعب له لغة مشتركة ، و جغرافيّة مشتركة ، و تاريخ مشترك، و مصير مشترك ، و مصلحة إقتصاديّة ماديّة مشتركة و ثقافة نفسيّة مشتركة ، و هذا العقد يجب أن يكون فيه كل هذه المقوّمات مجتمعة".
لكن، يجب التّذكير بأنّه لا يُشترط في أفراد الشّعب الواحد أن يتكلّموا نفس اللّغة أو ينتموا الى نفس الجنس أو الدّين.. فنجد في الدّولة الواحدة أقليّة أو عدّة أقليّات تتميّز عن بقيّة الشّعب من حيث اللّغة (الأكراد في العراق     و إيران و تركيا) أو الجنس (السّود في أمريكا) أو الدّين (المسيحيّون في مصر و العراق    و سوريا،  و المسلمون في الفليبين و الصين).
تتمتّع هذه الأقليّات داخل الدّولة بكلّ الحقوق و الإمتيازات المقرّرة لأغلب الشّعب، و على الدّولة أن تعاملهم جميعا على قدم المساواة دون تمييز بسبب الجنس أو اللّغة أو الدّين، فوجود أقليّة ما في الدّولة لا يبرّر أيّ تمييز قانوني بينهم، كما أنّ لهم جملة من الحقوق التي يكفلها الهم القانون الدّولي، لعلّ أهمّها الحقّ في تقرير المصير.



[1]  أيمن السيد شبانة: الدّولة: المفهوم و الأركان و الأشكال، مجلّة مصر و العالم المعاصر. العدد الثّالث، 2011،  ص 272
[2]  علي خليل إسماعيل الحديثي، مرجع سابق، ص 98.
[3]  محمّد نصر محمد. الوسيط في القانون الدّولي العام. مكتبة القانون و الإقتصاد، 2012، ص 242.
[4] علي خليل إسماعيل الحديثي، مرجع سابق، ص 103.
[5]  محمّد نصر محمّد، مرجع سابق، ص 243.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.