العناصر الماديّة للدّولة / الإقليم 2




الفصل الأوّل: الدّولة:
المبحث الأوّل: العناصر الماديّة لقيام الدّولة:
المطلب الثّاني: الإقليم:
الفقرة الأولى: اليابسة:
الفقرة الثّانية: المجال الجوّي:


الفقرة الثّالثة: المجال البحري:
على عكس المجالين البرّي و الجوّي، لا يُشترط لوجود الدّولة أن يحتوي إقليمها على مجال بحري، فهناك عديد الدّول التي لا تملك بحارا، أي دول حبيسة، على غرار رواندا و النّمسا و أفغانستان.
يمكن تقسيم المجال البحري إلى  ثلاثة (03) أجزاء: جزء خاضع لسيادة الدّولة و يتكوّن من المياه الداخليّة و البحر الإقليمي و جزء تمارس فيه الدّولة بعض الحقوق السياديّة و يتألّف من المنطقة المتاخمة و المنطقة الإقتصاديّة الخالصة و الجرف القارّي، و جزء أخير لا يتبع أيّة دولة و يتكوّن من أعالي البحار  و المنطقة.

أوّلا: المناطق الخاضعة لسيادة الدّولة:
1.      المياه الدّاخليّة:
                             جاء في الفقرة الأولى من المادّة الثّامنة من إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار لعام 1982 أنّه "تشكّل المياه الواقعة على الجانب المواجه للبرّ من خطّ الأساس للبحر الإقليمي جزءا من المياه الداخليّة للدّولة"، و هذا التّعريف جاء مشابها لما ورد في المادّة الخامسة من إتّفاقيّة جنيف لعام 1958 و التي تنصّ على أنّ المياه الداخليّة هي "المياه الواقعة في الجهة المقابلة للأرض داخل الخطّ الذي يُقاس إبتداء منه البحر الإقليمي".
تخضع المياه الداخليّة لسيادة الدّولة المطلقة و تشتمل على الأنهار و الخلجان و الموانئ البحريّة و البحيرات            و التّعاريج الساحليّة، و قد عرّفها علي صادق أبو هيف بأنّها "تلك المياه التى تتغلغل فى إقليم الدّولة و تتداخل فيه و التـّى بحكـم موقعهـا تخـضع لقواعد خاصّة[1]"،
يُقصد بخضوع المياه الدّاخليّة لقواعد خاصّة أنّ لها نظامها القانون الخاصّ الذي يختلف عن باقي المناطق البحريّة، حيث ذكرنا أنّها من المناطق التي تخضع لسيادة الدّولة المطلقة شأنها في ذلك شأن اليابسة، و لها الحقّ في إتّخاذ الخطوات التي تراها لحماية حقوقها في تلك المنطقة، و يتعزّر ذلك من خلال الفقرة الثّانية من المادّة 25 من إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار التي تنصّ على أنّ "في حالة السّفن المتوجّهة إلى المياه الدّاخليّة... للدّولة الساحليّة الحقّ أيضا في إتّخاذ الخطوات اللّازمة لمنع أيّ خرق للشّروط التي يخضع لها دخول تلك السّفن إلى المياه الدّاخليّة ..."، و الواجب الوحيد الذي يُفرض على الدّولة السّاحليّة هنا هو ضرورة فتح موانيها أمام البواخر الأجنبيّة إن لم يتوفّر سبب حقيقيّ و جدّي لغلقها.


2.      البحر الإقليمي:
                              نصّت المادّة الثّانية من إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار على أنّ سيادة الدّولة الساحليّة تمتدّ خارج إقليمها البرّي و مياهها الدّاخليّة، أو مياهها الأرخبيليّة إذا كانت دولة أرخبيليّة، إلى حزام بحري ملاصق يُعرف بالبحر الإقليمي، و تمتدّ هذه السّيادة إلى الحيّز الجوّي فوق البحر الإقليمي     و كذلك إلى قاعه و باطن أرضه، كما تُمارس هذه السّيادة رهنا بمراعاة أحكام إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار و غيرها من قواعد القانون الدّولي.
نفس المعنى تقريبا نجده في المادّة الأولى من إتّفاقيّة جينيف لعام 1958 التي تنصّ على أنّه "تمتدّ سيادة الدّولة وراء إقليمها و مياهها الداخليّة إلى نطاق من البحر يجاور ساحلها يُطلق عليه إسم وصف البحر الإقليمي        و تكون ممارسة هذه السّيادة في حدود أحكام هذه الإتّفاقيّة و القواعد الأخرى للقانون الدّولي".
ما يمكن إستخلاصه من المادّتين هو أنّ البحر الإقليمي جزء من البحر ملاصق لسواحل الدّولة تمارس عليه سيادتها وفق قواعد القانون الدّولي، أي أنّه على عكس المياه الدّاخليّة التي تمارس فيها الدّولة نفس الإختصاصات التي تمارسها على إقليمها البرّي، فإنّ ممارسة السّيادة في البحر الإقليمي تخضع لبعض القيود و التي تتعلّق أساسا بحقوق الدّول الأخرى.
لا يحقّ للدّولة السّاحليّة أن تمدّ بحرها الإقليمي إلى أكثر من 12 ميلا بحريّا و ذلك عملا بمقتضيات المادّة الثّالثة من إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار التي تنصّ على أنّ "لكلّ دولة الحقّ في أن تحدّد عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز 12 ميلا بحريّا مقيسة من خطوط الأساس"، و يُقصد بخطّ الأساس ذلك الخطّ الوهمي الذي يفصل البحر الإقليمي عن المياه الدّاخليّة و الذي يبدأ قياسه من حدّ أدنى الجزر على إمتداد السّاحل بالنّسبة لخطّ الأساس العادي، كما هو منصوص عليه بالمادّة الخامسة (5) من نفس الإتّفاقيّة. أمّا في حالة وجود إنبعاج عميق و إنقطاع، أو حيث توجد سلسلة من الجزر على إمتداد السّاحل و على مساقة قريبة منه مباشرة، فإنّه يجوز أن تُستخدم في رسم خطّ الأساس طريقة خطوط الأساس المستقيمة التي تصل بين نقاط مناسبة، و ذلك عملا بمقتضيات المادّة السّابعة (7) من قانون البحار.
أمّا في حالة الدّولتين ذوات سواحل متقابلة أو متلاصقة فإنّه لا يحقّ لأيّ منهما، في حال عدم وجود إتّفاق بينهما على خلاف ذلك أو وجود سند تاريخي أو ظروف خاصّة، مدّ البحر الإقليمي إلى أبعد من الخطّ الوسط الذي تكون كلّ نقطة عليه متساوية في بُعدها عن أقرب النّقاط على خطّ الأساس،  و ذلك حسب ما نصّت عليه المادّة الخامسة عشر (15) من قانون البحار.
هذا التّحديد لعرض البحر الإقليمي قد مرّ بعديد المراحل، فقانون البحار بشكله الحالي لم يكن معروفا فيما مضى، فقد دبّ الخلاف مبكّرا بين الدّول حول ملكيّة البحار و تبنّاه الفقهاء الذين إنقسموا إلى شقّين: شقّ ينادي بحريّة البحر Mare Liberum وكان على رأس من نادى بهذا الرّأي الفقيه الهولندى "جروسيوس" "Grotius" الذى أعدّ مؤلّفا في  مــارس  1609 أســماه البحــر الحــرّ  " Mare Liberum " نادي من خلاله بحريّة البحار و إنتقد بشدّة مزاعم الدّول التي قالت بإمكانيّة إخضاع البحار للتملّك[2].
أمّا الشقّ الثّاني فقد  نادى بملكيّة البحر أو ما يُعبّر عنه بفكرة البحار المغلقة Mare Clausum، و كان على رأس من نادى بهذا الرّأي الفقيه "سلدن"  "Seldon" في كتابه البحر المغلق "Mare Clausum" حيث دافع على حقّ دولته في تملّك البحر.
تبعا للخلافات الواقعيّة و القانونيّة التي جدّت بين كلا الفريقين، ظهرت نظريّات تحاول تحديد كيفيّة تعيين المساحات البحريّة،  فظهرت في القرن الرّابع عشر (14) نظريّة مدى البصر و التي تعيّن المساحات البحريّة للدّولة الساحليّة بأقـصى مـدى يمكـن أن يـصل إليـه بـصر شـخص يقف على الشّاطئ فى يوم مشرق، لكـنّ الفقيـه "ڤـان بنكرشـوك " "Van Bynkershock" إنتقد هذه النظريّة لإعتمادها على معيار مبهم و غير محدّد بدقّة فقـوّة الإبصار عمليّة نسبيّة تختلف من شخص لآخر، و بالتّالي إعتمد معيارا آخرا و هو  المدى الذى تصل إليه قذيفة المدفع المنصوب على الشّاطئ، الذي تمّ تقديره بثلاثة (03) أميال بحريّة، و قـد لاقـت تلك الطّريقة رواجا كبيرا و تمّ الأخذ بها كمعيار لتحديد الحدود البحريّة للدّول الـساحليّة في العديد من الإتّفاقيّات الدوليّة فى النّصف الأوّل من القرن العشرين[3]، ثمّ مع التطوّر التّكنولوجي و تنامي أطماع بعض الدّول في الإستيلاء على البحر تعدّدت وجهات النّظر و إختلف قياس البحر الإقليمي من دولة إلى أخرى إلى أن جاءت إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار، و التي وضعت حدّا لكلّ الخلافات و حدّدت عرض البحر الإقليمي ب 12 ميلا بحريّا يقع قياسها من خطّ الأساس.
ممّا لا شكّ فيه أنّ الأخذ بفكرة البحر الإقليمى لها ما يبرّرهـا مـن عـدّة نـواحي، فمـن النّاحيـة الأمنيـّـة تحتــاج الــدّول الــساحليّة لأن تفــرض ســيادتها عــلى المــساحات البحريــّة الملاصــقة لسواحلها حتّى تستطيع فرض رقابتها لمنع أيّ خطر خارجي يهدّد وجودها و إستقلالها ، و من النّاحية الإقتصاديّة تمثّل البحار موردا إقتصاديّا لا غنى عنه بالنّسبة لأيّة دولة لما تحويه تلـك المساحات من ثروات طبيعيّة تساعد فى سـدّ جـزء مـن الإحتياجـات المتزايـدة لتلـك الـدّول[4]، لكن ذلك لا يعني -بأيّ حال من الأحوال- أنّ الدّول الأخرى لا تملك حقوقا في هذه المنطقة.
تنقسم الحقوق التي تتمتّع بها الدّولة الساحليّة على بحرها الإقليمي إلى حقوق أمنيّة تتعلّق أساسا بأعمال الضّبط و البوليس و الرّقابة و فرض الضّرائب و تفتيش السّفن، و لها أن تمارس إختصاصاتها التّشريعيّة و القضائيّة في هذا المجال، و قد إعتُرف دائما للدولة الساحليّة بحقّ تنظيم الصّيد في مياهها الإقليميّة و في حقّ إحتكاره لرعاياها، و يتجسّد هذا الحقّ إمّا بموجب إتّفاق دولي ثنائي، أو بموجب حقوق تاريخيّة لدول الغير، أو في إطار إتفاقيّة جماعيّة إقليميّة[5]، و يدخل هذا الإختصاص ضمن الحقوق الإقتصاديّة.
في المقابل تقع على عاتق الدّولة السّاحليّة واجبات تُجاه الدّول الأخرى تتمثّل أساسا في:
-           عدم إعاقة المرور البريء في بحرها الإقليمي بسنّ أيّ شرط قد يؤدّي إلى إنكار ذلك الحقّ، عدا في الحالات التي قد تشكّل خطرا على أمن الدّولة و سلامتها.
-           عدم فرض رسوم على السّفن الأجنبيّة لمجرّد مرورها.
-           عدم التّمييز فعلا أو قانونا ضدّ سفن أيّ دولة أو ضدّ السّفن التي تحمل بضائع إلى أيّ دولة أو منها أو لحسابها.
-          الإعلان عن أيّ خطر على الملاحة تعلم بوجوده داخل بحرها الإقليمي.



[1]  علي صادق أبو هيف، مرجع سابق، ص  316.
[2]  حسني موسى محمّد رضوان: القانون الدّولي للبحار، دار الفكر و القانون، 2013. ص 10.
[3]  نفس المرجع، ص 12.
[4]  نفس المرجع، ص 38.
[5]  محمّد المجدوب: القانون الدّولي العام، القانون الدّولي العام، 1993، ص 244.
مذكور في: محمّد منصوري: صلاحيّات الدّولة الساحليّة على مناطقها البحريّة في إطار إتّفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار مونتيغوباي 10 ديسمبر 1982، مذكّرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الدّولي العام، جامعة قسنطينة، 2014، ص 56.


محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.