المقدّمة



يُطلق مصطلح القانون على كلّ قاعدة ثابتة تفيد إستمرار أمـر معـيّن وفقا لنظام ثابت، فهو يُستخدم للإشارة إلى العلاقة التي تحكم الظّواهر الطبيعيّة، أو للإشارة إلى العلاقة التي تحكم قواعد السّـلوك، فيُقـال مـثلا: قـانون الجاذبيّة، و قانون الغليان، و قانون العرض و الطّلب. إلّا أنّه في مجال العلـوم الإجتماعيّة و خصوصا في مجال الدّراسات القانونيّة، ينصرف إصطلاح القانون عموما إلى مجموعة القواعد التي تُطبّـق علـى الأشـخاص فـي علاقـاتهم الإجتماعيّة، و يفرض عليهم إحترامها و مراعاتها في سلوكهم بُغية تحقيق النّظام في المجتمع[1].
بقطع النّظر عن المفهوم المقدّم أعلاه،  فإنّ مهمّة القانون هي تحقيق النّظام داخل مجتمع ما، و قد يكون هذا المجتمع داخل الدّولة نفسها، فيُطلق على ذاك المجتمع مُسمّى المجتمع الوطني، و مهمّة القانون هنا تنظيم العلاقات التي تجري داخل القطر الواحد،  و قد يحوي المجتمع أكثر من دولة، أي تمتدّ حدوده إلى خارج إطار الدّولة الواحدة فيُطلق عليه "المجتمع الدّولي"، و تكون وظيفة القانون هنا تنظيم العلاقات التي تجري بين مكوّنات ذلك المجتمع، و يُطلق على تلك العلاقات مُسمّى "العلاقات الدوليّة".
العلاقات الدوليّة بإعتبارها ظاهرة إجتماعيّة ليست سوى سلسلة من المبادلات التي تتمّ في إطار إجتماعيّ معيّن، و هي في هذا لا تختلف من حيث مضمونها عن العلاقات التي توصف بأنّها وطنيّة، فكلاهما يتمثّل في مبادلات ماديّة أو معنويّة، على أنّ الذي يميّز الطّائفة من العلاقات عن غيرها هو الوسط الإجتماعي الذي تتمّ فيه و الذي سمّيناه "المجتمع الدّولي[2]".
على غرار المجتمع الوطني، يتميّز المجتمع الدّولي بتنوّع الفاعلين فيه، فنجد الدّول و المنظّمات الدوليّة كفاعلين أساسيّين، و بقيّة الكيانات الأخرى كحركات التحرّر الوطني و الشّركات متعدّدة الجنسيّات.. و ما يميّز المجموعتين عن بعض، هو الشخصيّة القانونيّة الدوليّة (سيقع التّفصيل فيها في عنوان لاحق) التي تتمتّع بها المجموعة الأولى، و تُعتبر هذه المجموعة (الدّول و المنظّمات) مؤسّسات دوليّة، لذلك من الواجب تعريف المؤسّسات الدوليّة و تمييزها عن غيرها من المفاهيم المشابهة.
أوّلا:  المؤسّسات الدوليّة و العلاقات الدوليّة:
                لفهم مصطلح المؤسّسات الدوليّة، ينبغي التعرّض إلى مكوّناته، أو تركيبته، فهذا المصطلح يتكوّن من لفظين، و جب الوقوف على كليهما، فلفظ "المؤسّسات" يعني مجموع الأشكال أو الهياكل الإجتماعيّة، التي يخلقها القانون أو العرف ، و خاصّة تلك التي يحكمها القانون العام.
من هذا التّعريف، يُفهم أنّ المؤسّسات الدوليّة ما هي إلّا  أجهزة أو هياكل دائمة يخلقها القانون و ينظّمها، لكن هذا لا يعني أنّها الشّكل الوحيد للمؤسّسات، فحتّى القواعد القانونيّة تُعتبر من المنظور القانوني مؤسّسات، فالعرف مؤسّسة، و أحكام القضاء مؤسّسة و الحصانة الدّيبلوماسيّة و غيرها من المفاهيم هي مؤسّسات[3] بالمعنى القانوني للكلمة.
أمّا لفظ "الدوليّة" فيعني أنّ الإطار التي تنشأ فيه هذه المؤسّسات و تعمل هو الإطار الدّولي، أي أنّها تتجاوز حدود الدّولة الواحدة و مصالحها، و تتعلّق بمصالح كلّ الدّول مجتمعة.
من خلال ما سبق، يمكن تقديم تعريف بسيط لمصطلح المؤسّسات الدوليّة و الذي يعني حسب                 "J. Charpentier" الهياكل، دولا و منظّمات دوليّة التي يتكوّن منها المجتمع الدّولي، و كذلك القواعد القانونيّة التي تنظّم علاقاتهم[4].
فيما يخصّ العلاقات الدوليّة، هناك العديد من المساهمات الفكرية تقدّم بها كتّاب و باحثون قصد تحديد موضوع العلاقات الدوليّة من خلال تقديم  تعريف محدّد لها، فقد ذهب بعضهم  إلى القول بأنّ "العلاقات الدوليّة تُعنى بتلك القوى الأساسيّة الأكثر تأثيرا في  السّياسة الخارجيّة"، و ذهب "هانز مورغنثاو" " Hans Morgenthau" إلى القول بأنّ "جوهر العلاقات الدوليّة هو الصّراع من أجل القوّة بين الدّول ذات السّيادة".
كما عرّف آخرون العلاقات الدوليّة بأنّها تلك التي تجري بين الدّول و الشّعوب المختلفة، أمّا "ديمون  آرون" فقد عرّفها بأنّها "العلاقات ما بين الأمم، و العلاقات ما بين الوحدات السياسيّة المختلفة"، و يؤكّد "ستانلي هوفمان" " Stanley Hoffmann " على أنّ "العلاقات الدوليّة تدرس العوامل و النّشاطات التي تؤثّر على السّياسة الخارجيّة و على سلطة الوحدات الرّئىسيّة  المكوّنة للعالم".
أمّا "دانيال كولار" " Daniel Colard" فيرى أنّ "العلاقات الدوليّة تضمّ العلاقات السلميّة و العدوانيّة بين الدّول و دور المنظّمات الدوليّة  و تأثير القوى الوطنيّة و مجموع المبادلات و النّشاطات التي تخترق الحدود الدوليّة" [5].
يمكن تعريف العلاقات الدوليّة، ببساطة، على أنّها كلّ علاقة تنشأ بين شخص أو أكثر من أشخاص القانون الدّولي العام، في أيّ مجال من المجالات أو النّشاطات التّي تؤثّر على السّياسة الخارجيّة للدّولة     أو للدّول مجتمعة،  و هي بذلك تضمّ المؤسّسات الدوليّة،   بعبارة أخرى فإنّ المؤسّسات الدوليّة بهياكلها    -أي الدّول و المنظّمات الدوليّة- هي الفاعل الأساسي في العلاقات الدوليّة.
ثانيا:  المؤسّسات الدوليّة و القانون الدّولي:
              في الفقـــه التّقليـــدي، يُعرّف القانـــون الـــدّولي على أنّه مجموعـــة القواعـــد القانونيـــّة التّـــي تنظــّـم العلاقـــات بـــين الـــدّول، فالتّعريف الذي قدّمه الفقيه الهولندي "جروسيوس" "Grotuis"  سنة 1625 ظلّ شائعا لأكثر من ثلاثة (03) قرون، حيث يعرّف القانون الدّولي بأنّه "القانون الذّي يحكم العلاقات بين الدّول[6]".  
هذا التّعريف يُعتبر قاصرا و لا يرقى إلى التطوّر الذي شهده القانون الدّولي المعاصر، حيث يُفهم من عباراته أنّ الدّولة هي الشّخص الوحيد للقانون الدّولي، مستبعدا بذلك المنظّمات الدوليّة و الأفراد، لذلك تمّ تجاوزه.
من الفقهاء الذين تجاوزوا هذا التّعريف التّقليدي يمكن ذكر الفقيه الفرنسي "شارل روسو"                          " Charles Rousseau" الذّي يرى أنّ القانون الدّولي هو "القانون الذي ينظّم بصورة أساسيّة العلاقات بين الدّول و ينظّم العلاقات بين أشخاص القانون الدّولي" [7].
ما يُؤاخذ على هذا التّعريف أنّه ركّز على الدّولة كشخص رئيسي للقانون الدّولي العام لكنّه أهمل ذكر المنظّمات الدّوليّة، و قد وقع تجاوز هذا النّقص في تعريف الفقيه "جيل بادفان" " Jules Basdevant" الذي يرى أنّ القانون الدّولي هو عبارة عن "مجموعة من  القواعد القانونيّة التي تُلزم الدّولة المستقلّة       و مختلف المنظمّات الدوليّة في علاقاتها المتبادلة[8] ، رغم أنّه لم يتعرّض إلى الأفراد كأشخاص للقانون الدّولي العام.
أخيرا، يمكن التعرّض إلى التّعريف الذي قدّمته الأستاذة "سوزان باستيد" " Suzanne Bastid"  و الذي يعتبر أنّ القانون الدّولي هو "مجموعة من القواعد القانونيّة التي تُطبّق في المجال الدّولي في العلاقات المتبادلة بين الدّول ذات السّيادة و المنظّمات الدوليّة، و التي يشكّل البعض من تلك القواعد الجزء الخاصّ بالأفراد ، والتي تُطبّق خلال علاقة الأفراد بالمنظّمات الدوليّة" [9].
هذا التّعريف يُعتبر مقبولا –إلى حدّ ما- لأنّه واكب و إستوعب تطوّر القانون الدّولي العام خاصّة بظهور الفرد كشخص من أشخاص القانون الدّولي العام، لذلك، و في ذات السّياق، يمكن القول أنّ القانون  الدّولي العام هو  جملة القواعد القانونيّة التي تنظّم العلاقات التي تنشأ بين أشخاصه.
إنّ المقصود بالشّخص في أيّ نظام قانوني هو كلّ من تخاطبه قواعد و أحكام هذا النّظام القانوني، فتمنحه حقوقا و تفرض عليه الإلتزامات، و يقوم كلّ نظام قانوني بتحديد الأشخاص الخاضعين لأحكامه و قواعده، و من هذا المنطلق فإنّ القانون الدّولي بوصفه نظاما قانونيّا، هو الذي يحدّد الأشخاص الخاضعين لأحكامه.
هؤلاء الأشخاص يتمتّعون بالشخصيّة القانونيّة الدوليّة و التي تعني القدرة على ممارسة الحقوق              و الإلتزامات الدوليّة من جهة، و من جهة أخرى القدرة على التّعبير على الإرادة الذاتيّة في ميدان العلاقات الدوليّة.
طوال القرن التّاسع عشر، كانت الدّولة هي الشّخص الوحيد للقانون الدّولي العام، لكن بعد الحرب العالميّة الثّانية، و خصوصا بعد ظهور منظّمة الأمم المتّحدة، و بعد الرّأي الاستشاري لمحكمة العدل الدوليّة بتاريخ 11 أفريل 1949 فيما يعرف بقضيّة إغتيال الكونت برنادوت وسيط منظّمة الأمم المتّحدة في فلسطين على يد عصابة صهيونيّة، حُسم الجدل بخصوص تمتّع المنظّمة الدوليّة بالشخصيّة القانونيّة الدوليّة، حيث إعتبرت المحكمة أنّ منظّمة الأمم المتّحدة هي شخص من أشخاص القانون الدّولي العام.
أيضا، أصبح الفرد اليوم محور إهتمام العلاقات الدوليّة خاصّة فيما يتعلّق بمجال حقوق الانسان           و الحرّيات العامّة، و العدالة الجنائيّة الدوليّة، بالتّحديد من خلال إنشاء محاكم جزائيّة دوليّة لمحاكمة الأفراد عن الجرائم الخطيرة في المجتمع الدّولي..، بذلك إرتقى إلى درجة الشّخص الدّولي الذي تخاطبه مباشرة قواعد القانون الدّولي العام، دون حاجة الى المرور عبر دولته، و قد دعمت محكمة العدل الدوليّة هذ التوجّه في 27 جوان 2001 (قضـــيّة "لاغرانـــد":  (ألمانيـــا ضـــدّ الولايـــات المتّحـــدة الأمريكيـــّة).
بذلك يتّضح الفرق بين القانون الدّولي العام و المؤسّسات الدوليّة، حيث يُعتبر المفهوم الأوّل حاكما في المفهوم الثّاني، أي بعبارة أوضح، القانون الدّولي هو الذي يحكم العلاقات التي يمكن أن تنشأ بين هياكل المجتمع الدّولي، أي المؤسّسات الدوليّة، دولا و منظّمات.



[1]  المدخل إلى علم القانون، ص 13.
[2]  محمّد سعيد الدقّاق: التّنظيم الدّولي، مطابع الأمل، بيروت، د.ت، ص 9.
[3]  Rafaâ Ben Achour : Institutions de la Société Internationale, Céreès Productions, Tunis, 1992, p 18.
[4]  عبد المجيد العبدلّي: قانون العلاقات الدوليّة، دار أقواس للنّشر، الطّبعة الأولى، تونس، 1994، ص 47.
[5] عبد القادر محمّد فهمي: النظريّات الجزئيّة والكلية في العلاقات الدولية، دار الشّروق للنّشر و التّوزيع، 2010، ص 19.
[6] محمّد نصر محمد: الوسيط في القانون الد:ولي العام، مكتبة القانون و الإقتصاد، 2012، ص 16.
[7]  نفس المرجع، ص 18.
[8]  نفس المرجع، ص 19.
[9]  نفس المرجع.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.