العناصر الماديّة للدّولة / الإقليم 5





الفصل الأوّل: الدّولة:
المبحث الأوّل: العناصر الماديّة لقيام الدّولة:
المطلب الأوّل: الشّعب:
المطلب الثّاني: الإقليم:
الفرع الأوّل:  عناصر الإقليم:


الفرع الثّاني:  أسباب إكتساب و فقدان الإقليم:
كما تمّت الإشارة إليه سابقا، يُعتبر الإقليم أحد العناصر الماديّة اللّازمة لتكوين الدّولة، و تختلف طرق إكتسابه من حالة إلى أخرى، لكن يمكن إختزال هذه الطّرق في مجموعتين: إمّا بصفة مباشرة، أي دون تدخّل طرف آخر،  أو غير مباشرة، أي نقلا عن الغير.

الفقرة الأولى: الطّرق المباشرة:
تنقسم الطّرق المباشرة إلى صنفين: الإستيلاء و الإضافة.

1.      الإستيلاء:
                      يمكن تعريف الإستيلاء بأنّه وضع اليد من طرف دولة ما على إقليم لا يتبع دولة أخرى، و قد شكّل الوسيلة الأساسيّة لإكتساب الأقاليم في زمن الإكتشافات الكبرى، حيث درجت الدّول على إمتلاك كلّ إقليم  تكتشفه، بقطع النّظر عمّا إذا كان آهلا بالسّكان أو لا، فالمعيار المُتّبع في تحديد مدى تبعيّة ذلك الإقليم إلى دولة أخرى هو مدى وجود و تنظيم السّلطة السّياسيّة. و قد إتّخذت الدّول الإستعماريّة الكبرى هذا المعيار ذريعة لإستعمار عديد الأقاليم في إفريقيا و آسيا، حيث كان يُنظر لتلك الدّول على أنّها دول همجيّة غير متحضّرة،           و بالتّالي يجوز الإستيلاء على أقاليمها.
بسبب زيادة التّنافس بين الدّول المستعمرة للإستيلاء على الأقاليم، و للحدّ من المنازعات بين تلك الدّول، وضعت إتّفاقيّة برلين الصّادرة سنة 1885 بعض الشّروط للإستيلاء، و هي:
-          أن لا يكون الإقليم على ملكيّة أيّة دولة.
-          ضرورة وجود إستيلاء مادّي فعلي.
-          ضرورة إبلاغ الدّول الأخرى بالإستيلاء[1].
هذه الطّريقة في إكتساب المكليّة –تقرييا-  لم تعد موجودة في العصر الحالي نظرا لأنّه لا توجد أراض لم يتمّ الكشف عنها بعد، و حتّى الأقاليم المُشاعة بين جميع الدّول، كالقطب الجنوبي مثلا، تنظّمها بعض الإتّفاقيّات الدوليّة و لا سبيل إلى الإستيلاء عليها.

2.      الإضافة:
                      تُعتبر الإضافة من الطّرق العفويّة لإكتساب الإقليم، أي لا حاجة لتبريرها أو إثباتها، حيث أنّ الدّولة تكسب مساحات جديدة لإقليمها إمّا عن طريق عوامل طبيعيّة بحتة، كظهور جزيرة في البحر الإقليمي لدولة ما أو دلتا الأنهار، أو إصطناعيّة بإضافة بعض المنشآت أو الحواجز.

الفقرة الثّانبة: الطّرق غير المباشرة:
يمكن حصرها في ثلاث (3) طرق: التّنازل و الفتح و التّقادم.
1.      التّنازل:
                      يمكن تعريف التّنازل بأنّه تخلّي دولة عن سيادتها على جزء من إقليمها لصالح دولة أخرى بموجب إتّفاقيّة دوليّة تُعقد بينهما، لذلك فإنّ المتّفق عليه أن يتمّ التّنازل بموجب معاهدة تتضمّن كافّة الشّروط الشكليّة و الموضوعيّة الواجب توافرها في المعاهدات الدوليّة[2].
يتّخذ التّنازل عدّة أشكال، فيمكن أن يكون بمقابل مادّي، كأن تبيع دولة جزءا من إقليمها، كما حصل مع روسيا التي باعت إقليم "آلاسكا" للولايات المتّحدة الأمريكيّة، كما يمكن أن يكون في إطار مبادلة، أي أن تتنازل كلّ دولة للطّرف الآخر عن إقليم معيّن، كما حصل بين إيطاليا و فرنسا، حيث تنازلت إيطاليا عن مقاطعة "نيس" لصالح فرنسا، و في المقابل أعطتها فرنسا مقاطعة "لومبارديا".
أخيرا، يمكن أن يكون التّنازل طواعيّة أو قهرا، فللدّولة أن تتنازل –طواعيّة- و دون مقابل عن إقليم معيّن لصالح دولة أخرى، و قد يكون هذا التّنازل إجباريّا في الأزمنة التي تلي إنتهاء الحروب، حيث تضطرّ الدّولة المنهزمة، و في إطار معاهدة صلح، إلى التّنازل عن جزء من إقليمها لصالح الدّولة المنتصرة، و من أمثلة ذلك تنازل فرنسا عن إقليم "الألزاس-اللّورين Alsace-Lorraine" لصالح دولة ألمانيا.

2.      الفتح:
                      الفتح هو إستيلاء دولة –عُنوة- على إقليم تابع لدولة أخرى[3]، و يكون في الحالات التي تنتصر فيها دولة ما على دولة أخرى عسكريّا، و يختلف عن التّنازل الإجباري في كونه لا يحتاج موافقة من الدّولة المنهزمة،      و لا يُشترط فيه إبرام معاهدة ثنائيّة، أي يمكن إعتباره إحتلالا.
بذلك تستند الملكيّة إلى الفتح إذا بقي الإقليم تحت يد الدّولة الفاتحة، و إستمرّت تباشر فيه أعمال السّيادة بعد إنتهاء العمليّات الحربيّة، دون أن يكون موضع إتّفاق بينها و بين الدّولة التي إنتُزع منها[4].
يُعتبر الفتح في العصر الحالي غير شرعيّ و مخالفا لقواعد القانون الدّولي الرّاسخة التي تقضي بحظر إستخدام القوّة في العلاقات الدوليّة، و إستبدالها بالطّرق الدّبلوماسيّة لحلّ المنازعات و الخلافات التي يمكن أن تنشأ بين أطرافها.



3.      التّقادم:
                      يُشبه التّقادم إلى حدّ كبير "الإستيلاء" الذي تقدّم الحديث عنه، لكنّه يختلف عنه جوهريّا في أصل الملكيّة، ففي الوقت الذي يُعتبر فيه الإستيلاء حيازة لأراضي لا تتبع أيّة دولة، يمثّل التّقادم حيازة لإقليم يتبع دولة أخرى.
بعبارة أخرى، يُعتبر التّقادم وضع اليد من قبل دولة ما على إقليم دولة أخرى مدّة من الزّمن، و يُشترط[5]:
-          أن يكون وضع اليد على إقليم تابع لإحدى الدّول.
-          أن يكون وضع اليد هادئا أي غير متنازع عليه، و دون إحتجاج الدّولة الأخرى.
-           أن يستمرّ وضع اليد مدّة طويلة من الزّمن. رغم أنّه لا يوجد في القانون الدّولي معيار يحدّد المدّة اللّازمة لكي يُعتبر وضع اليد مستمرّا.

أخيرا، تجدر الإشارة إلى أنّ إكتساب دولة ما لإقليم جديد، هو بمثابة  فقدان له بالنّسبة للدّولة التي إنتقلت عنها الملكيّة ، فضلا عن أنّ من بين طرق فقدان الإقليم الأخرى إنفصال جزء من الشّعب في إقليم مستقلّ مثلما حصل في السّودان، أو نتيجة عمل الطّبيعة التي قد تغيّر من شكله.



[1]  محمّد نصر محمّد: مرجع سابق، ص 263.
[2]  نفس المرجع، ص 264.
[3]  علي صادق أبو هيف: مرجع سابق، ص 271.
[4]  نفس المرجع.
[5]  محمّد نصر محمّد: مرجع سابق، ص 267.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.