المحور الرّابع: القطاعات الواعدة للإستثمار


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحور الرّابع
القطاعات الواعدة للإستثمار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد دراسة العوامل المحدّدة للإستثمار و آليّات التّمويل المُتاحة، سيكون على باعث المشروع الإختيار بين الإستثمار في القطاعات الاقتصاديّة التّقليديّة، أو البحث عن فرص جديدة و الإستثمار في مجالات واعدة.
يمكن تعريف القطاعات الإقتصاديّة التقليديّة بأنّها "شكل اقتصادي و تقني و قانوني و إجتماعي لتنظيم العمل المشترك للعاملين فيها (المؤسّسة)، و تشغيل أدوات الإنتاج وفق أسلوب محدّد لقيم العمل الإجتماعي بهدف إنتاج سلع أو وسائل الإنتاج أو تقديم خدمات متنوّعة[1].
أي يُقصد بها تلك المؤسّسات التي تنشط في المجالات المألوفة و التي يرتكز عملها عموما، إمّا  على الإنتاج
 أو تقديم الخدمات، و تنشط هذه المؤسّسات عادة في مجال الإقتصاد التّقليدي القائم على الصّناعة
و الفلاحة و الخدمات التّقليديّة.
أمّا القطاعات الواعدة للإستثمار،  فهي تلك القطاعات الحديثة التي أثبتت نجاعتها في السّنوات الأخيرة،
و يمكن حصرها في 3 أمثلة  كالتّالي:
 المؤسّسات النّاشطة في مجال التّكنولوجيّات الحديثة ، المؤسّسات النّاشطة في مجال الاقتصاد الأخضر
 و المؤسّسات النّاشطة في إطار علاقة تعاقديّة مع مؤسسة أمّ.
1-    المؤسّسات النّاشطة في مجال التّكنولوجيّات الحديثة:
               يعتبر مجال التّكنولوجيّات الحديثة مجالا واسعا جدّا تتعدّد فيه الاختصاصات، و تتنوّع فيه فرص الإستثمار بحسب طاقة الباعث و قدرته على مواكبة تطوّرات السّوق.
يمكن تقسيم المؤسّسات النّاشطة في مجال التّكنولوجيا الحديثة الى 3 قطاعات: المؤسّسات النّاشطة في مجال الإقتصاد اللامادّي، المؤسّسات النّاشطة في مجال التّجارة الإلكترونيّة، و المؤسّسات النّاشطة في مجال تكنولوجيا المعلومات و الإتّصال.
·       المؤسّسات النّاشطة في الاقتصاد اللامادّي:
                      يُقصد بالاقتصاد اللامادّي الإقتصاد القائم على تكنولوجيا المعلومات، فخلافا للإقتصاد التّقليدي القائم على إنتاج و إستغلال السّلع الماديّة المباشرة أو إستغلال و تحويل الثّروات الطّبيعيّة الماديّة، يرتكز الإقتصاد اللامادّي على طرق جديدة في الإنتاج و إستغلال نُظم المعلومات، و يعتمد أساسا على الشّبكات و تخزين المعلومات و البيانات (Bases de Données)  و حفظها.
أُطلقت على هذا الإقتصاد عديد التّسميات مثل الإقتصاد الافتراضي أو الإقتصاد الرّقمي  أو الإقتصاد الجديد أو إقتصاد عصر المعلومات... و جميعها تصبّ في إتّجاه واحد، ألا و هو دمج التّقنية و نُظم المعلومات في الإقتصاد.
يُعتبر هذا النّوع من الإقتصاد الأكثر أهميّة في العصر الحالي،  و بات المحرّك الأساسي لتقدّم الدّول           و هيمنتها، فقياس مدى إزدهار إقتصاد وطنيّ ما يرتكز و بشدّة على مدى قدرة ذلك الإقتصاد على تداول المعلومات و البيانات و إستغلالها، و ما هذا ما قد يفسّر حرص عديد الدّول النّامية على تشجيعه             و تقديم الحوافز و التّشجيعات لإقتحامه.
من المشاريع البسيطة الواعدة في هذا المجال، إنشاء شركة لبيع النّطاقات (noms de domaine)
و الإستضافات (hébergement web) و مساحات التّخزين، و هو مجال لا يزال يشكو قلّة المنافسة في تونس، فضلا عن أنّه يوفّر الخصوصيّة و حماية المعطيات للمؤسّسات التونسيّة، حيث أنّ أغلب الشّركات و الإدارات التونسيّة تقوم بإستضافة مواقعها و بياناتها الخاصّة على سيرفيرات أجنبيّة.
في حال لم يتوفّر رأس المال الكافي، يمكن البدء في هذا المجال بإقتناء حسابات "ريسيلر"  (revendeur) من إحدى الشّركات العالميّة، ثمّ إعادة بيعها في السّوق التونسيّة، و هو مشروع غير مكلف و مربح جدّا.

·       المؤسّسات النّاشطة في مجال التّجارة الإلكترونيّة:
يمكن تعريف التّجارة الالكترونيّة (E-commerce) ببساطة، بأنّها حركات البيع و الشّراء التي تتمّ عبر الإنترنت، و ذلك عبر إستخدام نُظم المعلومات المتاحة.

تعتبر التّجارة الإلكترونيّة من أكثر مجالات التّجارة ربحيّة في الوقت الحاضر، و قد شهدت تطوّرا ملحوظا خلال السّنوات الأخيرة في تونس، لدرجة أنّ الشّركات التقليديّة باتت مهدّدة بالإنسحاب من السّوق إن هي لم تساير هذا التطوّر و تندمج فيه.
تقوم التّجارة الالكترونيّة على بيع السّلع و الخدمات و ذلك بإنشاء موقع الكتروني مخصّص لها، أو بيعها على منصّات التّجارة الالكترونيّة المفتوحة.
تجدر الإشارة الى أنّ هذه المشاريع لا تتطلّب من باعث المشروع إمتلاك مُنتج أو خدمة ما لبيعها، بل يكفي أن يكون مُلمّا بآليّات التّسويق، ليجني الأرباح عن كل عمليّة بيع تتمّ عبر موقعه الإلكتروني، و هو ما يُعرف بنظام التّسويق بالعمولة.
 أيضا، يمكن لباعث المشروع أن يبيع سلعا ليست على ملكه، و يتكفّل صاحبها الحقيقي بتوصيلها، و هنا لا يمكن الحديث عن عمولة بسيطة فقط، بل هي أرباح حقيقيّة، و هذا النّظام يُعرف باسم الدروبشيبينغ (dropshipping).


من أكثر الأمثلة شهرة على الصّعيد الوطني في مجال التّجارة الإلكترونيّة، يمكن ذكر شركة جوميا العالميّة (jumiaو شركة الصّفقات -إن صحّ التّعبير- (bigdeal)، و شركة الوساطة (tunisie booking)
يمكن لمثل هذه المشاريع أن تتوسّع و تستهدف السّوق العالميّة، و ذلك بإعتماد نفس التّقنيات لكن على مواقع أكثر شهرة (..Amazon,ebay, Alixpress).
في السّنوات الأخيرة، ظهرت آليّة جديدة في التّجارة الإكترونيّة، ابتكرتها شركة أمازون، و هي آليّة Amazon FBA، و هي طريقة مُبتكرة وضعتها الشّركة للباعة المحترفين الذين يرغبون في إستيراد بضائعهم من أيّ مكان في العالم و إرسالها مباشرة الى مخازنها، لتقوم هي بتوزيعها  و توصيلها، يعني دون أن يتحمّل البائع أعباء التّخزين و الشّحن و كل الإجراءات الجمركيّة المعقّدة.
ما يميّز هذا الصّنف من التّجارة أنّه غير مكلف، و لا يتطلّب مخازن كبيرة على غرار التّجارة التقليديّة،      و فُرص البيع فيه أكثر لأنّه يستهدف الملايين من البشر، عبر منصّات الإعلان مثل شركة جوجل (Google Adwords) و شركة فيسبوك (Facebook Ads).

·       المؤسّسات النّاشطة في مجال تكنولوجيا المعلومات و الاتّصال:
                       المؤسّسات النّاشطة في مجال التّكنولوجيّات الحديثة هي المؤسّسات التي يرتبط نشاطها بتكنولوجيا المعلومات و الإتّصالات، مثل شركات الإتّصالات و شركات تزويد الإنترنت، و تدخل أنشطة هذه المؤسّسات في مجال تقديم الخدمات.
أيضا، إلى جانب تقديم الخدمات، فإنّ لهذه المؤسّسات دورا في الإنتاج، حيث تقوم عديد المؤسّسات الكبرى في العالم بتصنيع و إنتاج الأجهزة الرقميّة مثل الحواسيب و الهواتف المحمولة و غيرها من التّجهيزات الحديثة.
يُعتبر هذا الصّنف من المشاريع مكلفا مقارنة بغيره من المشاريع، فهو يعتمد على تجهيزات ضخمة و كلفة عمل باهضة، لذلك لا يمكن البدء فيه إعتمادا على القروض الصّغرى و المتوسّطة.
أخيرا، يمكن القول بأنّ توجّه الدّولة التّونسيّة، يرمي إلى مزيد إستقطاب الباعثين الجدد في مجال التّكنولوجيا الحديثة، و لعلّ أبرز مثال على ذلك دعم مشروع تونس الذكيّة، و إحداث محضنة مشاريع الخدمات الإلكترونية، لكن هذا لا ينفي الصّعوبات الجوهريّة في هذا المجال، لعلّ أبرزها توفير بدائل الدّفع الاكتروني العالميّة، خاصّة بعد رفض ملف تونس في بنك البايبال الإفتراضي.
لكن تبقى كل هذه المشاريع قابلة للتّطبيق على أرض الواقع، خاصّة مع ظهور البطاقات التكنولوجيّة التي وفّرتها البنوك التونسيّة للشّركات التجاريّة.

2-     المؤسّسات النّاشطة في مجال الاقتصاد الأخضر:
               يستهلك النّشاط الإقتصادي في الوقت الحاضر كميّة من الكتلة الأحيائيّة تفوق قدرة الأرض على إنتاجها بصورة مُستدامة، مما يقوّض خدمات النظم الإيكولوجية و يؤدّي إلى إستمرار و تفاقم الفقر       و التّفاوتات الإقتصاديّة.
 كما تسبّب هذا النشاط في آثار خارجيّة -مثل التلوّث و تغيّر المناخ و ندرة الموارد الطبيعيّة-  تهدّد ما للأرض من قدرة إنتاجيّة على توليد الثروة و ضمان الرّفاه البشري، لذلك ظهر مفهوم "الإقتصاد الأخضر" إستجابة لهذه الأزمات المتعدّدة[2].
يعرّف برنامج الأمم المتّحدة للبيئة الإقتصاد الأخضر على أنّه الإقتصاد الذي ينتُج عنه تحسّن في رفاهيّة الإنسان و المساواة الاجتماعيّة، في حين يقلّل بصورة ملحوظة من المخاطر البيئيّة و ندرة الموارد الإيكولوجيّة، و يمكن أن يُنظر إليه في أبسط صورة كإقتصاد يقلّ فيه إنبعاث الكربون، و تزداد فيه كفاءة الموارد، كما يستوعب جميع الفئات الإجتماعيّة[3].
يرتبط الإقتصاد الأخضر إرتباطا وثيقا بالتّنمية المستديمة و الحفاظ على الموارد، لذلك خطت الدّول المتقدّمة خطوات عملاقة في مجال تكريسه على أرض الواقع، كما تسعى عديد الدّول النّامية، من ضمنها تونس، الى اللّحاق بركب الدّول الكبرى و النّاجحة في هذا المجال.
في ذات السّياق، أطلق المركز الدّولي لتكنولوجيا البيئة بتونس  بالشّراكة مع كنفدراليّة المؤسسات المواطنة التونسية (CONECT) سنة 2015 برنامج تكوين في ريادة الأعمال في الاقتصاد الأخضر، و ذلك تطبيقا لبرنامج سويتش ماد  (SwitchMed) لتكوين أصحاب المشاريع في الإقتصاد الأخضر بدعم من الإتّحاد الأوروربي.
يرتكز الاقتصاد الأخضر على جملة من الأنشطة التي تميّزه، و هي على سبيل الذّكر لا الحصر:
-          الإستثمار في مجال الطّاقات المتجدّدة.
-          التّقليص من النّفايات الصناعيّة.
-          رسكلة النّفايات و إعادة إستعمالها.
-          إستبدال المواد السامّة بمواد أكثر سلامة (صناعة الأكياس و العُلب الورقيّة مثلا).

3-     المؤسّسات النّاشطة في إطار علاقة تعاقدية مع مؤسسة أمّ:
               بعيدا عن الصّيغ التقليديّة لبعث المؤسّسات، ظهرت في السّنوات الأخيرة مفاهيم جديدة  للمؤسّسات الإقتصاديّة، لعلّ من أبرزها تلك التي تكون في علاقة تعاقديّة مع مؤسّسة أخرى أو مؤسّسة أُم إن صحّ التّعبير.
يمكن الحديث هنا عن آليّتين أساسيّتين، هما: عقود الإستغلال تحت التّسمية الأصليّة (la Franchise و الإفراق (l'Essaimage).



-          عقود الاستغلال تحت التّسمية الأصليّة (la Franchise).
                       عرّف الفصل 14 من القانون عدد 69 المؤرخ في 12 أوت 2009 المتعلّق بتجارة التوزيع عقد الإستغلال تحت التسمية الأصلية بأنّه "عقد يمنح بمقتضاه صاحب تسمية أو علامة تجارية حقّ إستغلالها لشخص طبيعي أو معنوي يُسمّى المُستغل تحت التّسمية الأصليّة قصد قيامه بتوزيع مُنتجات أو إسداء خدمات لقاء مقابل مالي".
ببساطة، يمكن تعريف هذه الآليّة بأنّها عمليّة تقوم من خلالها مؤسّسة ما تُدعى "المرخّص" بتأجير إسمها التّجاري إلى مؤسّسة أخرى أو شخص آخر يُطلق عليه إسم "المرخّص له" قصد الإستفادة مقابل مبلغ مالي يدفعه المرخّص له مع نصيب من الأرباح.
من أمثلة تلك المؤسّسات يمكن ذكر Celio، Zara، Bricorama، Carrefour، و غيرها من المؤسّسات الأخرى، و تخضع القطاعات المنتفعة بهذه الآليّة الى قرار وزير التّجارة والصناعات التقليدية المؤرخ في 28 جويلية 2010، و الذي فصّل مختلف المجالات التي يضمّها عقد الاستغلال تحت التّسمية الأصليّة.



-          الإفراق (l'Essaimage):
                      يُعتبر هذا الصّنف من الإستثمار أقلّ إنتشارا من عقود الإستغلال تحت التّسمية الأصليّة، لكنّه لا يخلو من أهميّة، خاصّة أنّه يلقى الدّعم من المؤسّسات العموميّة، لذلك وجب التعرّض إليه.
الإفراق هو كلّ تشجيع أو إحاطة تُقدّمها مؤسّسة إقتصاديّة لفائدة باعثين من بين أعوانها أو خارجين عنها لإحداث مؤسّسات مستقلّة أو لتأمين نشاط كانت تقوم به في السّابق[4].
يهدف الإفراق  إلــــى تسريع نسق النموّ الاقتصادي و ذلك بحثّ الباعثين على إطلاق مشاريع جديدة           و مرافقتهم في جميع الخطوات.
نشاط المؤسّسة الحديثة يمكن أن يكون مواصلة لنشاط المؤسّسة الأمّ أو أيّ نشاط جديد، كما تُمنح هذه الآليّة إمّا للمتنمين إلى تلك المؤسّسة الأم أو حتّى الخارجين عنها، و عادة ما تتبنّى المؤسّسات العموميّة هذه الآليّة في التّشغيل.
تتعهّد المؤسّسة الأم بتقديم الدّعم اللّازم للباعثين من تمويل و دراسات و منح و إمتيازات و مرافقة إنطلاق المشروع.





[1]  صمـويل عبـود ، اقتصــاد المؤسسة ، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، الطبعة الثانية، 1982 ،ص: 58.
[2]  الدورة الاستثنائية الثانية عشرة لمجلس الإدارة / المنتدى البيئي الوزاري العالمي، نيروبي، 20 - 22 فيفري 2012 ، ص 2 (بتصرّف).
[3]  برنامج الأمم المتّحدة للبيئة: نحو اقتصاد أخضر، مسارات الى التّنمية المستدامة و القضاء على الفقر (بتصرّف).
[4]  الفصل الأول من القانون عدد 56 لسنة 2005 المؤرخ في 18/7/2005 المتعلق بإفراق المؤسسات الاقتصادية.


محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.