المحور الأوّل: العوامل المحدّدة للإستثمار


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المحور الأوّل
 العوامل المحدّدة للإستثمار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذكرنا أنّ للمؤسّسات الصّغرى و المتوسّطة دورا كبيرا في إنعاش الاقتصاد الوطني و دفع عجلة التّنمية،     و ذلك لما يشكّله الإستثمار من عامل أساسي في توسيع قاعدة الإنتاج و تراكم رأس المال.
بناء عليه، فانّ أيّة دولة ترمي الى تحقيق معدّلات نمو مرتفعة و دائمة عل المدى الطّويل ، لا بدّ لها من ضخّ الإستثمارات في نسيج الإقتصاد الوطني،  و ذلك بتوفير مناخ إستثماري مشجّع و ناجح  و فعّال، أو بعبارة أخرى، العمل على توفير جملة من العوامل اللّازمة لنجاح المشروع.
هذه العوامل يصطلح على تسميتها بالمناخ الإستثماري، الذي يعتبر نتاجا لتفاعل جملة من الظّروف المختلفة، و هو يلعب دورا كبيرا في كسب ثقة باعث المشروع، و تحفيزه و تشجيعه على الإستثمار،              و بحسب جودة هذه الظّروف يكون المناخ ملائما للإستثمار أو طاردا له.
يمكن تقسيم هذه العوامل الى أربع مجموعات رئيسيّة:
العوامل الاقتصاديّة، العوامل السياسيّة و التشريعيّة، العوامل الثّقافيّة و الاجتماعيّة، و واقع مناخ الأعمال.


أوّلا- العوامل الإقتصاديّة:
تعتبر من أهمّ العوامل المحدّدة لمناخ الإستثمار، لأنّها ترتبط ارتباطا مباشرا بهدف المشروع المُزمع بعثه،
و هي كالتّالي:
·       العائد المنتظر من الاستثمار:
يُعتبر العائد المنتظر من الاستثمار على رأس أولويّات تفكير الباعث، فالغاية المعلومة من كلّ مشروع إقتصادي هي تحقيق الرّبح، و عليه فإنّ نسبة الإيرادات المتوقّعة من مشروع ما، قد تشكّل نقطة جوهريّة قبل البدء بالإستثمار.
·       حجم الأسواق المحليّة:
يُعتبر حجم الأسواق من العوامل الهامّة المحدّدة للاستثمار،  ، فغاية كلّ مشروع هو بيع منتج
أو سلعة الى مستحقّيها،لذلك كلّما إتّسعت السّوق، كلّما زادت فرص نجاح المشروع.
عادة ما يرتبط حجم الأسواق بمدى القدرة الشرائيّة، فكلّما إنخفضت هذه الأخيرة، كلّما ضاقت السّوق و تقلّصت.
·       إرتفاع معدّل الاستهلاك:
رغم أضراره على حجم المدّخرات في دولة ما، و تشتيته للتّمويلات المرصودة لتمويل المشاريع التنمويّة، يعتبر إرتفاع معدّل الاستهلاك مؤشّرا إيجابيّا في تقييم نجاح مشروع ما من عدمه، فالغاية الأساسيّة لكلّ مشروع ربحي هي تطوير عمليّات البيع و تلبية الحاجة الى الإستهلاك.
·       المستوى العام للأسعار و التضخّم:
للوهلة الأولى، قد يبدو إرتفاع المستوى العام للأسعار مؤشّرا ايجابيّا على نجاح المشروع، لكن في الحقيقة يُعتبر هذا الارتفاع مضرّا بالعمليّة الاقتصاديّة برُمّتها، فمن ناحية يُساهم ُرتفاع الأسعار في هتك القدرة الشرائيّة، و بالتّالي الإمتناع عن مزيد الاستهلاك، و من ناحية أخرى، يعكس هذا الارتفاع حالة من التضخّم يشهدها الاقتصاد المحلّي، و بالتّالي آثارا سلبيّة على الدّخل الحقيقي للفرد.
·       معدّل النموّ الحقيقي:
كلّما كان معدّل النموّ الاقتصادي مرتفعا، كلّما كان له تأثير إيجابي على الاستثمار الخاص،          و يرتبط معدّل النموّ أساسا بزيادة نسب الإنتاج و ثبات مخزون رأس المال، و بالتّالي وفرة المدّخرات المرصودة للإستثمار.
·       السّياسة الإقتصاديّة المتّبعة:
يُقصد بالسّياسة الإقتصاديّة، الخطّة التي ترسمها و تتّبعها الدّولة، و التّي تعكس مدى تدخّلها في الحياة الإقتصاديّة، و يتجلّى هذا التدخّل في القيود أو الإمتيازات التي تضعها الدّولة، كالتحكّم في مستوى الأسعار مثلا.
في النّظام الرّأسمالي، كلّما كان  تدخّل الدّولة أقلّ، كلّما كانت الظّروف ملائمة أكثر للاستثمار.
·       قيمة الدّين الخارجي:
كلّما زادت تكلفة الدّيون الخارجيّة لدولة ما، تفاقمت الآثار السلبيّة على الإقتصاد الوطني،          و بوجه الخصوص على الإستثمار الخاص، فإرتفاع نسب تلك الدّيون يعني ضرورة تخصيص موارد أقل للتّنمية، و بالتّالي التّقليص من الإنفاق الإستثماري، و يعني أيضا و بصفة غير مباشرة، إرتفاع قيمة الضّرائب الموظّفة على الشّركات لغاية تأدية الدّيْن.
·       سعر الصّرف:
إنّ إرتفاع قيمة الدّين الخارجي للدّولة يتسبّب في زيادة الأعباء التي تُثقل كاهل الإقتصاد الوطني عبر الأقساط التي تخصّصها لأداء الدّين، و كلّما كان رصيد تلك الدّولة من العملات الأجنبيّة غير كافٍ، كلّما ساهم ذلك في إضعاف العملة المحليّة، أي عدم إستقرار سعر الصّرف.
في حال إرتفاع سعر العملات الأجنبيّة مقابل الدّينار التّونسي مثلا، فإنّ ذلك يؤدّي مباشرة إلى إرتفاع سعر الواردات، و عليه حدوث خلل في ميزان الدّفوعات، ما يؤدّي إلى فرض ضرائب جديدة، و مزيدا من الأعباء على ميدان الإستثمار الخاصّ، حيث تصبح السّلع و المواد الأوليّة       و الخدمات مكلفة جدّا.
·       سهولة الوصول الى الأسواق الخارجيّة:
غاية كلّ مشروع اقتصادي الرّبح، لذلك يبحث المستثمر دائما عن أسواق جديدة لبيع سلعه أو خدماته، و هنا تكمن أهميّة السّوق الخارجيّة، التي تمثّل إمتدادا للسّوق المحليّة، بل و قد تفوقه أهميّة في بعض الأحيان.
لهذه الأسباب، كلّما كانت إمكانيّة النّفاذ إلى السّوق الخارجيّة أيسر، كلّما زادت فرص نجاح المشروع، و سهولة الوصول تعني سياسة الدّولة المتّبعة في هذا المجال، و ذلك بعدد و طبيعة الإتّفاقيّات التي تبرمها مع كيانات إقتصاديّة أخرى، كاإّفاقيّات الشّراكة أو التّبادل الحرّ..

ثانيا- العوامل السياسيّة  و التشريعيّة:
هناك مقولة شائعة مفادها أنّ "رأس المال جبان"، و يُقصد بها تحديدا أنّ صاحب رأس المال دائما ما يبحث عن الإستقرار و الأمان لأمواله، و لا يوجد شيء يبعث على الأمان لصاحب رأس المال أكثر من الإستقرار السّياسي و البيئة التشريعيّة الملائمة.
·       الإستقرار السّياسي:
كلّما كانت الأوضاع السياسيّة مستقرّة في بلد ما، كلّما زادت فرص إستقطاب مُستثمرين جدد،
و يجب أن يتّصف هذا الاستقرار بالدّيمومة و الثّبات حتّى يضمن المستثمر نجاح مشروعه على المدى الطّويل.
من أبرز علامات المناخ السّياسي الصحّي إنتشار مفهوم الحوكمة الرّشيدة و توفّر الأمن و إرساء ديمقراطيّىة حقيقيّة تضمن حدّا معقولا من الإستقلاليّة للمجال الاقتصادي و بعده عن التّجاذبات  السّياسيّة.
·       الإطار التّشريعي:
إنّ وجود إطار قانوني يحكم العمليّة الاقتصاديّة، يُعتبر من العوامل المهمّة لجذب الإستثمارات،
و حتّى يكون هذا الإطار محفّزا على الإستثمار، يجب توفّر عدّة ضمانات، لعلّ أهمّها:
-          وجود قانون موحّد للإستثمار يتّسم بالوضوح و الشفافيّة، و لا يتضارب مع التّشريعات الأخرى الجاري بها العمل.
-          وجود نظام قضائي نزيه و شفّاف قادر على تنفيذ القوانين و التّعاقدات، و فضّ النّزاعات التي قد تنشأ بين المستثمر و الإدارة.
-          شفافيّة الصّفقات العمومية.
·       نظام الحوافز:
يُعتبر نظام الحوافز الذي تتّبعه دولة ما مهمّا جدّا لجذب الاستثمارات، فكلّما إتّسم النّظام الضّريبي بالمرونة و العقلانيّة، كلّما زادت فرص الإقبال على الإستثمار الخاص، لما تلعبه تلك الضّرائب من دور في تحديد الكلفة الإستثماريّة و نسب العائدات.
هذا النّظام لا يقتصر على الحوافز الضريبيّة فقط، بل يمتدّ إلى الحوافز التمويليّة، و هي جملة التّسهيلات الماليّة التي تضعها الدّولة على ذمّة الباعثين الجدد، فكلّما زادت هذه الحوافز، كلّما زادت فرص الإقبال على الإستثمار الخاصّ.


ثالثا- العوامل الاجتماعية و الثّقافيّة:
هذه العوامل لا تقلّ أهميّة عن باقي العوامل، حيث يتحدّد المناخ الإستثماري أيضا بناءً على توفّر و تفاعل جملة من الظّروف الثّقافيّة و الإجتماعيّة:
·       الإستقرار الاجتماعي:
يُعتبر الإستقرار الإجتماعي أحد أهمّ العوامل التي تحدّد معالم المناخ الإستثماري، فرأس المال، كما سبق و تمّت الإشارة اليه، يتّصف بالجبُن و الحذر الشّديد، لذلك فهو دائم الهروب من المناطق التي تسودها الإضطرابات الاجتماعيّة.
يُقصد بالاضطرابات الإجتماعيّة إرتفاع وتيرة الإحتجاجات المطلبيّة فوق المعتاد، مع عدم قدرة الدّولة على الإيفاء بكلّ تلك المطالب، و قد تقود أحيانا الى حالة من إنعدام السّلم و الأمن، و هو ما يُنفّر حتما من الإستثمار في تلك المناطق.
·       الأجور و القوه الشرائية:
لطالما إرتبط معدّل العرض في الأسواق بحجم الطّلب، فكلّما كانت هناك رغبات إستهلاكيّة تبحث عن إشباعها، كلّما تطوّر حجم العرض و إزدهرت الأسواق، لكن هذا لا يمنع، في كثير من الأحيان، من تقلّص حجم الطّلب رغم الحاجة الى الإستهلاك، و ذلك لإرتباط القدرة الإستهلاكيّة بالقوّة الشرائيّة، و خاصّة بمستوى الأجور، فكلّما تدنّت الأجور، تدنّى مستوى الاستهلاك، و بالتّالي قلّ الطّلب، ما يعني ضيق السّوق.
·       النموّ السكّاني:
على عكس ما يعتقد البعض من أنّ النموّ السكّاني يساهم في إنعاش الدّورة الاقتصاديّة-  لإرتباطه بكثرة الأفراد في مجتمع ما، و بالتّالي كثرة الإستهلاك و المزيد من عمليّات البيع و الشّراء-  يُعتبر النموّ السكّاني من العوامل غير الملائمة للإستثمار، حيث يزيد من الطّلب على المواد الإستهلاكيّة، و بالتّالي مزيد التّقليص من حجم المدّخرات المخصّصة للإستثمار.
يذهب البعض الى أنّ الزّيادة السكانيّة تمثّل عاملا إيجابيّا، و ذلك بتوفير قوّة عمّاليّة، وبالتّالي  مزيد تقسيم العمل و زيادة نسب الإنتاجيّة، لكن هذا لا يستقيم إذا فاقت تلك الزّيادة حجم الموارد المُتاحة، حيث تتحوّل بذلك الى عبء على الإقتصاد و بالتّالي مزيدا من البطالة. 
·       قيمة اليد العاملة:
كلّما كانت قيمة اليد العاملة زهيدة، كلّما ساهم ذلك في مزيد التّشجيع على الإستثمار، فهي بمثابة جزء مهمّ من تكلفة المشاريع و تساهم بشكل فعليّ في تحديد نسب العائدات و الأرباح.
·       العادات الإستهلاكيّة:
على غرار بقيّة العوامل، للعامل الثّقافي دور لا يُستهان به في تحديد مسار المشروع، حيث تلعب العادات الإستهلاكيّة لمجتمع أو بيئة ما دورا مهمّا في نجاح المشروع، حيث تلاقي بعض المنتجات أو الخدمات عزوفا في بعض المناطق قد يصل إلى حدّ الصدّ و المقاطعة، لذلك يجب أن تُراعى عادات كلّ بيئة و ثقافتها قبل التوجّه إليها بسلعة ما.

رابعا- واقع مناخ الاستثمار:
بالإضافة إلى العوامل الإقتصاديّة و السياسيّة و القانونيّة و الإجتماعيّة،  فانّ لواقع مناخ الإستثمار دورا كبيرا في تحديد القرار الإستثماري، و يرتبط هذا العامل أساسا بالواقع الفعلي للبيئة الإستثماريّة، أي الظّروف اللّصيقة بسير عمل المؤسّسة، و لعلّ أهمّها ما يلي:


·       البنية التحتيّة:
لقد أثبتت التّجارب أنّ الإستثمارات تتركّز في المناطق التي تكون فيها البنية التحتيّة متطوّرة،          و يظهر ذلك من خلال تركّز معظم المؤسّسات و المصانع التونسيّة في المدن الكبرى، أين تتوفّر شبكات النّقل و المواصلات و الموانئ و شبكات الماء و الكهرباء و كلّ ما تحتاجه المؤسّسات لحّسن سير عملها.
هنا، يمكن التّأكيد على أهميّة الإستثمارات التي تقوم بها الدّولة في مجال البنية التحتيّة، حيث كلّما وُجّهت المشاريع و المدّخرات لدعم البنية التحتيّة، كلّما زادت فرص إستقطاب المستثمرين، خاصّة في المدن الداخليّة أين تكثر الضّيعات الفلاحيّة و الموارد الطبيعيّة.
·       توفّر منظومة المعلومات:
بالإضافة إلى البنية التحتيّة الهيكليّة، فإنّ للبنية التحتيّة المعلوماتيّة دورا هامّا في البيئة الإستثماريّة، فكلّما توفّرت النُّظم القادرة على نقل المعلومات، كلّما زادت كفاءة البيئة الإستثماريّة، و لعلّ أبرز مثال يمكن أن يُساق هنا هو العزلة التكنولوجيّة التي تشهدها تونس لعدم توفّر وسائل دفع إلكترونيّة عالميّة مُتاحة للجميع، و هو ما يزيد من تقلّص السّوق و يُضعف كلّ إمكانيّة في الوصول إلى مستهلكين جُدد خارج القطر الوطني، خاصّة مع التطوّر الذي يشهده قطاع التّجارة الإلكترونية في السّنوات الأخيرة، الذي بات يستأثر بجزء كبير من حجم المبادلات التجاريّة.
كما أنّ سرعة الإجراءات من متطلّبات إنشاء المؤسّسة و عملها، إلى سرعة البتّ في المنازعات         و تنفيذ العقود، تُعتبر عوامل مهمّة لتحفيز باعثي المشاريع و جلب الإستثمارات.



في الأخير، يمكن القول بأنّ المناخ الإستثماري المحفّز و الجاذب للإستثمار، هو مناخ يتميّز بجملة من العوامل، التي على إختلافها، تُساهم بتفاعلها في إيجاد بيئة صحيّة تُراعي مصلحة المستثمر و لا تضرّ بالإقتصاد الوطني، لغاية واحدة هي دفع عجلة التّنمية، لكن يبقى الإشكال القائم في قياس جودة تلك البيئة التي لا تخضع في عمومها للقياس الفردي المجرّد، لذلك يمكن الإستعانة ببعض المؤشّرات الدوليّة التي تعطي معلومات دقيقة و واضحة عن مناخ الإستثمار في بلد ما، لعلّ أهمّها:
-          التقييم الائتماني السّيادي،
-          مؤشّر الحريّة لاقتصاديّة،
-          مؤشّر البيئة لاقتصاديّة،
-          مؤشّر الشفافيّة،
-          مؤشّر التّنافسيّة العالمي...

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.