المقدّمة


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقدّمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                                                 "إنّ الأشخاص الذين يعتقدون أنّ كلّ شيء ممكن هم القادرون على الإكتشاف و الإبداع".

                                                                                                                                                                                                                           ريك برينكمان

لطالما شكّل موضوع المؤسّسة مادّة خصبة لعديد الإختصاصات العلميّة، فقد تنازعته العلوم القانونيّة من جهة، و العلوم الإجتماعيّة من جهة أخرى، و أيضا شكّل مصطلحا رئيسيّا في علوم الإقتصاد، لذلك تباينت المفاهيم بحسب المقاربات، حيث يمكن النّظر الى المؤسّسة على أنّها كيان قانوني، و بذلك يُنظر إليها على أنّها مناخ لسنّ القوانين المُلزمة للأفراد، فضلا عن أنّها نشأت بعد تجاوز عتبة عديد الإجراءات القانونيّة  و الترتيبيّة.
أيضا، يمكن مقاربة المؤسّسة مقاربة إجتماعيّة، و يعود الفضل في ذلك الى عالم الإجتماع الألماني Max Weber  الذي يُعتبر من أوائل المؤسّسين أو الدّارسين لعلم إجتماع التّنظيمات، و هي مقاربة يُنظر من خلالها للمؤسّسة على أنّها بيئة إجتماعيّة لتبادل العلاقات بين الأفراد و للتّفاعل فيما بينهم.
أخيرا، يمكن النّظر الى المؤسّسة على أنّها فاعل إقتصادي، يمكّن الأفراد من تحقيق غاياتهم -الربحيّة بالأساس- و هي المقاربة التي سيتمّ إعتمادها في الدّرس.
يمكن إعطاء تعريف بسيط للمؤسّسة بأنّها كل تنظيم اقتصادي مستقل ماليّا في إطار قانوني و إجتماعي معيّن، هدفه دمج كل عوامل الإنتاج من أجل الإنتاج و/أو تبادل سلع و/أو خدمات مع أعوان إقتصاديّين آخرين، بغرض تحقيق نتيجة ملائمة، و هذا ضمن شروط إقتصاديّة تختلف بإختلاف الحيّز المكاني          و الزماني الذي توجد فيه و تبعا لحجم و نوع نشاطها[1].
تلعب المؤسّسات الإقتصاديّة –الصّغرى و المتوسّطة تحديدا- دورا هامّا في زيادة النّاتج الوطني الخام، كما أنّها تُعتبر المحرّك لأساسي لإنعاش الإقتصاد الوطني، و هي تساهم في تطوير و ترسيخ مفهوم ريادة الأعمال الذي يُعتبر المرآة الحقيقيّة و المؤشّر الجيّد على إزدهار المناخ الإقتصادي لدولة ما، و يُقصد بريادة الأعمال القدرة على الإبداع و الإبتكار من خلال تنفيذ الأفكار الإقتصاديّة و بناء المشاريع الحرّة و ذلك بإتّخاذ قرار حاسم بالإستثمار[2].

ü    ريادة الأعمال:
               لقد تباينت وجهات نظر الكتّاب و الباحثين في تقديم مفهوم واضح و محدّد للرّيادة، حيث عرّفها البعض بأنّها تكوين و بناء نشاط إقتصاديّ جديد، و عرّفها آخرون بأنّها عمليّة إكتشاف الفرص                 و تطويرها بهدف خلق قيمة لمؤسّسة قائمة أو لمؤسّسة جديدة، في حين هناك من عرّفها بأنّها عمليّة يتمّ من خلالها إكتشاف و تقييم و إستغلال فرص لتوليد بضائع و خدمات تُنتج في المستقبل، و هي بذلك تتكوّن من ثلاثة أبعاد:
-          الإبتكار: عبر تقديم حلول إبداعيّة غير مألوفة لحلّ المسكلات و تلبية الحاجات.
-           المخاطرة: أي الرّغبة في توفير موارد أساسيّة لإستثمار فرصة مع تحمّل المسؤوليّة عن الفشل  و كلفتها.
-           الإستباقيّة: و هي التّنفيذ مع العمل أن تكون الرّيادة مثمرة[3].
من خلال المفهوم الأخير - و هو الأقرب إلى الدّرس-  يمكن القول أنّ  إكتشاف الفرصة الاستثماريّة بمثابة نقطة البداية في عالم ريادة الأعمال ، و هو بذلك يقوم على فرضيّتين:
§       الفرضيّة الأولى:  إضافة نوع جديد من السّلع الى السّوق، شريطة أن تلبّي تلك السّلع إحتياجات غير مشبعة أو إحتياجات لم يتم كشفها من قبل مستثمرين آخرين.
§       الفرضيّة الثّانية:  تطوير سلعة موجودة  و زيادة جودتها أو التّخفيض في سعرها، و كلّ ذلك في إطار دراسة ظروف العرض و الطّلب.
تُعتبر ريادة الأعمال مهمّة جدّا لإرتباطها بالمجال الاقتصادي، حيث تشكّل أكثر من 90 % من المشاريع المنتصبة في العالم، و هي بذلك  تكتسي أهميّة قصوى في الإقتصاديّات الوطنيّة عبر الدّور الذي تلعبه في تشغيل اليد العاملة، حيث تستقطب هذه المؤسّسات بين 60-70 % من حجم اليد العاملة و حوالي 70 % في الدّول النّامية و تصل نسبتها إلى 98 % في الولايات المتّحدة الأمريكيّة و 90 % في إيطاليا و فرنسا، و تساهم ب 50 % من النّاتج المحلّي الأمريكي و كذلك البريطاني و 84 % من النّاتج الإيطالي، كما تمثّل ما بين 25-35 % من مجموع صادرات المنتجعات المصنّعة[4]، فضلا عن خفض معدّلات الفقر، و تحقيق المداخيل و الأرباح ، و  ضمان  الإستقلاليّة لروّاد الأعمال.
من هذا المنطلق، فإنّ الدّخول في عالم ريادة الأعمال يقتضي جملة من المواصفات التي يجب أن تتوفّر في رائد الأعمال، و من أهمّها:
-          القدرة على الإبداع: بتوليد أفكار جديدة  و ترجمتها على أرض الواقع عبر خلق منتج جديد أو أسلوب جديد في العمل.
-          القدرة على إستثمار الفرص: أي سرعة البديهة في إكتشاف المحيط الإجتماعي و الإقتصادي،  و تربّص الفرص من خلال فهم حاجيّات المستهلكين و توجّهاتهم.
-          الجديّة في العمل: ببذل المجهود اللّازم لإنجاح المشروع أو فكرة المشروع المُزمع تنفيذها.
-          التحلّي بروح القيادة: عبر القدرة على التحكّم في المشروع و قيادة فريق العمل و توجيههم نحو الهدف المنشود، فضلا عن الثّقة بالنّفس.
-          القدرة على المخاطرة:  بإتّخاذ مواقف و قرارات جريئة للدّفع بالمشروع نحو القمّة، و ما يلزمه ذلك من مجازفة و مغامرة و قدرة على تحمّل المخاطر.
يُستخلص ممّا سبق أنّ القرار الاستثماري يُعتبر أحد أهمّ الخطوات التي تصاحب عمليّة بعث المشروع، فالمشروع في بدايته كان فكرة توفّر الدّافع لإنجازها،  لكن في كثير من الأحيان قد لا يكفي هذا الدّافع وحده لضمان تحقيق النّجاح المرغوب، فقد أثبتت عديد التّجارب أنّ المشاريع التي لا يمتلك صاحبها نظرة إستشرافيّة واضحة سرعان ما تفشل، فالإندفاع لتنفيذ مشاريع غير مدروسة، بدافع الحماس أو التّقليد، تكون نتيجته مشاريع فاشلة، و بالتّالي عدم الإستثمار الأمثل للموارد المتاحة، و هنا يأتي دور دراسة البيئة الاستثماريّة أو العوامل المحدّدة للإستثمار كخطوة هامّة و أساسيّة.



[1] .ناصر دادي عدون، اقتصاد المؤسسة، دار المحمدية العامة، الجزائر، الطبعة 1، 1998، ص 1.
[2]  شريفة العابد برينيس: نماذج من التجارب الآسيوية في تطوير المؤسسات الصغيرة وا لمتوسطة و إستفادة الجزائر منها ،مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث و الدراسات، 2016، ص 3.
[3]  حسين أحمد مصطفي: ريادة الأعمال، رسالة ماجستير، كليّة الإدارة و الاقتصاد، جامعة صلاح الدّين، العراق، 2016، ص.ص 4-5.
[4]  عامر خربوطلي: ريادة الأعمال و إدارة المشروعات الصّغيرة و المتوسّطة، من منشورات الجامعة الإفتراضيّة السوريّة، 2018، ص 60.

محمود الجوّادي تصميم بلوجرام © 2015

صور المظاهر بواسطة peeterv. يتم التشغيل بواسطة Blogger.